الكتاب المقدس

صراع النعمة والناموس في غلاطية

كان الجو ثقيلاً ذلك المساء في غلاطية، هواءٌ حارٌ يحمل عبق زيتون بعيدٍ وغبار الطرقات الرومانية. كان أَبْدِمُونُس، شيخٌ من الشمامسة القلِقين، يدير بين أصابعه لفافة متهالكة، نُسخةٌ من رسالة وصلتهم قبل أشهر. لم تكن الكلمات مكتوبة على الورق فحسب، بل كانت محفورةً على وجوه المؤمنين، تُثيرُ حَزازاتٍ وتساؤلاتٍ تعكِّر صفو اجتماعاتهم في البيوت المُظلَّلة.

تذكر كيف بدأ الخلاف، كشرارة صغيرة. جاء بعض الإخوة من أورشليم، متحمسين، حاملين معهم تفسيراً جديداً للعهد القديم. قالوا: “نعم، المسيح هو المخلِّص، لكن لا بد من الختان. لا بد من حفظ الفرائض والمواسم. النعمة وحدها؟ هذا كلامٌ جميلٌ، لكنه يحتاج إلى هيكلٍ من الطقوس كي يثبت.” ووجدت هذه الكلمات آذاناً صاغية عند بعض الذين تربوا على سماع الناموس، وشعروا أن الإيمان المجرد كان كالبناء بلا أساس.

جلس أبديمونس في زاوية البيت حيث اجتمعوا، مستمعاً إلى نقاش احتدم بين شابٍ من اليونانيين اسمه لوقيوس، ورجلٍ يهودي مُختتنٍ اسمه بارناباس. قال لوقيوس بصوتٍ مرتجفٍ من الحماس: “ألم نختبر جميعاً الروح القدس، نحن الأمم، حين سمعنا بالإيمان فقط؟ شعرنا بالحرية، كأننا ولدنا من جديد! والآن تأتون لتضعوا على أعناقنا نيراً لم نستطع نحن ولا آباؤنا أن نحمله؟”

أجاب بارناباس بهدوءٍ يحمل عتاباً: “ليس نيراً، يا أخي. هو كمالٌ. ألم يُعطِ الله الناموس لموسى؟ أليست شرائعه مقدسة؟ كيف نتجرأ أن نعتقد أن الله يهمل ما أوصى به؟”

وفي تلك اللحظة، قرأ أحدهم بصوتٍ عالٍ فقرات من الرسالة، كلمات بولس التي وصلتهم كصوتٍ من بعيد، كنداءٍ من أبٍ حكيمٍ يرى أولاده يتنازعون.

“أيُّها الغلاطيون الأغبياء!” – نعم، هكذا كتب لهم، بعاطفةٍ جارفةٍ – “من سحركم؟ أمام عيونكم صُوِّرَ يسوع المسيح مصلوباً بينكم!”

توقف القارئ. ساد صمتٌ مُطبق. كانت الكلمة القاسية “أغبياء” كالصفعة التي تُعيد الوعي. ثم تابع، والكلمات تنساب كالنهر الذي يغسل الأوهام:

“أريد أن أتعلم منكم هذا فقط: أبأعمال الناموس قبلتم الروح، أم بخبر الإيمان؟ أهكذا أنتم أغبياء؟ إذ ابتدأتم بالروح، تكملون الآن بالجسد؟”

كانت الحجج اللاهوتية تتحول في النص إلى قصةٍ عظيمة، قصة وعد. رسم لهم بولس صورة إبراهيم، أبو المؤمنين، ذلك الشيخ الذي سمع صوت الله في أور الكلدانيين. “آمن إبراهيم بالله فحُسب له براً.” الوعد جاءه أولاً، كهدية مجانية، كعهدٍ من نعمة. الناموس جاء بعد ذلك بمئات السنين، كمعلمٍ يقودنا إلى المسيح. كالوصي الذي يرعى القاصر حتى يبلغ سن الرشد.

أخذ أبديمونس يتخيل المشهد، وكأنه يراه: جبل سيناء مُغطى بالدخان والرعد، الشعب يرتعد خوفاً من وصايا مكتوبة على حجر. ثم ينتقل بخياله إلى جلجثة، حيث الرعد مختلف، رعد صمتٍ عظيم، والوصية الوحيدة هي “قد أُكمِل”. الناموس كان مرآة تُظهر القذارة، لكنه لم يكن الماء الذي يغسلها. الناموس كان الناظر الذي يُشير إلى الطريق، لكنه لم يكن المركبة التي تحمل السائر.

وتساءل الشيخ في نفسه: ألم يكن الجميع، يهوداً ويونانيين، تحت لعكة الخطيئة؟ ألم يكن الناموس سجناً مؤقتاً، يحفظنا حتى يأتي الوقت المحدد؟ ثم جاء الوقت. جاء الوريث. جاء الابن.

الكلمات الأخيرة في الفصل ارتسمت في ذهن أبديمونس وكأنها نار مضيئة: “لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح. ليس يهودي ولا يوناني، ليس عبد ولا حر، ليس ذكر وأنثى، لأنكم جميعاً واحد في المسيح يسوع. فإن كنتم للمسيح، فأنتم إذاً نسل إبراهيم، وحسب الوعد ورثة.”

نظر حوله في الغرفة. رأى لوقيوس، اليوناني، وقد انهمرت دموعه بصمت. ورأى بارناباس، اليهودي، وقد ارتخَتْ أسارير وجهه، وكأن حجاباً قد رُفع عن عينيه. رأى سيدتين، إحداهما من عبيد القصر السابقين، والأخرى من عائلة ثرية، وهما تمسكان بأيدي بعضهما بقوة. لم يكن هذا مجرد تعليم عقلي. كان هذا هو الإنجيل العامل، القوة التي تهدم الجدران.

لم تكن القصة انتهت بتلك الجلسة. بقيت التحديات قائمة. لكن شيئاً ما تغير. لم يعد النقاش حول من الأكثر تديناً، بل حول كيف يُظهر كل منهم، في ضعف بشريته، ثمر الروح الذي وهبه بالإيمان المجرد. صاروا يرون أن الختان الحقيقي ليس في الجسد، بل في القلب. وأن العيد الحقيقي ليس في تاريخ محدد، بل في كل يوم يُقام فيه ذكرى النعمة.

وقفت الجماعة لتصلي في آخر الاجتماع. لم يعد صوت بارناباس منفصلاً عن صوت لوقيوس. ارتفعت أصواتهم معاً، مختلفة اللهجات، متحدة الروح، كأوراق شجرة واحدة ضاربة في عمق التاريخ، شجرة الوعد، التي صاروا، بالإيمان البسيط، أغصاناً حية فيها. وكان الهواء، رغم ثقله، يحمل الآن نسمةً من حريةٍ مجيدة، عتيقةٌ وجديدةٌ في آنٍ واحد.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *