الكتاب المقدس

عهد النجوم والختان

كان الجوّ حاراً وكثيفاً في تلك الظهيرة، حتى أن ظل الخيمة نفسه بدا واهناً تحت وهج الشمس. جلس أبرام على عتبة مسكنه، وقد تقدمت به السنون، فصار العظم بارزاً تحت جلده، وصار السكون رفيقه الأطول. كان يتأمل صمت البرية الممتد أمامه، ذلك الصمت الذي لم يعد يسمع فيه إلا همس الذكريات: رحلة من أور، مواعيد سمعها قبل دهور، ومذبح بناه هنا وهناك كعلامة على رجاء لم يتبين وجهه بعد.

وفجأة، دون أن تهب رياح أو تعلو غيوم، أحسّ بثقل في الهواء، ثقل مختلف. لم يكن رعباً، بل هيبة عميقة تسري في الفضاء حوله كرائحة الأرض بعد أول مطر. ثم أتاه الصوت، لا من خارج، بل كأنه ينبعث من أعماق الكون نفسه، واضحاً جلياً لا لبس فيه.

“أنا الله القدير. سر أمامي وكن كاملاً.”

سقط أبرام على وجهه، وجبهته تلمس تراب الأرض الحار. كان القلب ينفض في صدره كطائر محبوس. فاستمر الصوت يخترق سكونه الداخلي:

“ها أنذا أجعل عهدي بيني وبينك، وأكثرك كثيراً جداً.”

وبينما هو ساجد، أخذت الكلمات تنسج في مخيلته صورة لا تُصدق: بحر من النجوم لا يحصى، رمال الشاطئ التي لا تعد. وعد قديم يعود الآن، لكنه هذه المرة يحمل ثقلاً جديداً، وكأنه ينزل من عالم آخر ليُختم في عالمه هذا. ثم جاءت الكلمة التي قطع بها صمته الطويل:

“لا يدعى اسمك بعد أبرام، بل يكون اسمك إبراهيم، لأني أجعلك أباً لجمهور من الأمم.”

إبراهيم. الاسم الجديد دوى في أذنيه كنداء جديد على روح قديمة. كان يحسّ وكأن هويته كلها، كل تاريخه، يُعاد خلقه في تلك اللحظة. لم يعد مجرد “الأب الرفيع”، بل صار “أباً للجمهور”، نواة لأمم لم تولد بعد.

وتواصل الكلام الإلهي، مفصلاً هذا العهد الغريب. وعد بأرض كنعان ملكاً أبدياً لنسله. وعد بأن يكون الله لإبراهيم وذريته من بعده. ثم جاء الأمر الذي حيّر فكره:

“وأنت فتحفظ عهدي، أنت ونسلك من بعدك في أجيالهم. هذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم وبين نسلك من بعدك: يختن منكم كل ذكر.”

الختان. علامة في الجسد، قطع في اللحم الحي، كختم لهذا العهد. لم يكن ذلك من عادات آبائه. كان أمراً جديداً تماماً، غريباً، حميماً وجارحاً في آن. لكن الوعد المرافق كان أعظم: “سأعطيك أنت ونسلك من بعدك أرض غربتك، كل أرض كنعان، ملكاً أبدياً. وأكون إلهاً لهم.”

ثم، وكأن المشهد السماوي يحتاج إلى لمسة أرضية، تطرق الصوت إلى ساراي، زوجته العجوز التي صار ضحكها مراً على شفتيها كلما تذكرا الوعد. “ساراي امرأتك لا تدعو اسمها ساراي، بل سارة تكون اسمها. وأباركها وأعطيك أيضاً منها ابناً. أباركها فتكون أمماً، وملوك شعوب منها يكونون.”

سقط إبراهيم على وجهه مرة أخرى، لكن هذه المرة ضحك في داخله، ضحك مزيج من دهشة لا تُحتمل وفرح أشبه بالألم. في تلك اللحظة، رأى بعين القلب صبياً يركض في البريّة، صبياً من لحمه ودمه، وعد تحوّل إلى صورة حيّة. ابن من سارة، من رحمها اليابس، من مستحيلها الذي صار رجاء.

“أبيمالك؟” سأل في صمت قلبه، متذكراً إسماعيل، ابن هاجر، الفتى الذي أحبه كروحه. لكن الجواب أتى حازماً ولطيفاً: “بل سارة تلد لك ابناً، وتدعو اسمه إسحاق. وأقيم عهدي معه عهداً أبدياً لنسله من بعده. وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه. ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيراً جداً. اثني عشر رئيساً يلد، وأجعله أمة كبيرة. ولكن عهدي أقيمه مع إسحاق الذي تلده لك سارة في هذا الوقت، في السنة الآتية.”

وبينما كان النهار يميل نحو الغروب، وكأن الحديث الإلهي قد اكتمل، شعر إبراهيم أن ثقلاً قد رُفع عنه، وثقلاً آخر وُضع على كاهليه. ثقل العهد. لم يعد الأمر مجرد وعود سمعها، بل صار ميثاقاً، مسؤولية، علامة في الجسد ستُذكر به وبنسله إلى الأبد أنهم شعب مختار.

قام من سجوده، وعيناه تلمعان بدموع لم يسكبها. نظر إلى يديه، هاتين اليدين اللتين ستختنان كل ذكر في بيته، من إسماعيل ابن السادسة عشرة الربيعاً إلى الغلام المولود في الخيمة. لحم يُقطع كتذكار لوعد. كان الأمر عجيباً.

وفي اليوم ذاته، كما أُمر، أخذ إسماعيل وكل مواليد بيته والمبتاعين بفضته، كل ذكر من أهل بيت إبراهيم، وختنهم في لحم غرلتهم. كان إسماعيل صامتاً، شجاعاً، ينظر إلى أبيه نظرة فيها سؤال عميق، وكأنه يدرك أن شيئاً ما قد تغير إلى الأبد. كان ألم الجسد لحظة عابرة، لكن علامته ستظل.

وبعد أن تمّ كل شيء، جلس إبراهيم عند باب خيمته مع سارة. كانت الشمس تغرب، تلوّن الصحراء بألوان أرجوانية وذهبية. أمسك بيدها الهزيلة. كانت يداها ترتعشان قليلاً.

“سارة,” همس، “سنسميكِ سارة من الآن. أم الأمم.”

نظرت إليه، وفي عينيها الواسعتين بريق لم تره منذ سنوات. لم تقل شيئاً، لكنها ضغطت على يده. كان في ذلك الضغط كل الإيمان، وكل الاستسلام، وكل الانتظار.

وانتشر الظلام رويداً رويداً، وأشرقت النجوم، واحدة بعد الأخرى، كما في كل ليلة. لكن إبراهيم، وهو ينظر إليها، رآها لأول مرة كما رآها الله: لا كنجوم منثورة، بل كذرية لا تحصى، كنسمات من نسلٍ سيأتي من ضلوعه الميتة، من رحمٍ عقيـر. وكان العهد بينهما، بين السماء والأرض، مختمٌ في لحمه، حاملاً معه ألم الوعد وجماله، وغموض الخطة الإلهية التي تبدأ دائماً بمستحيل.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *