وكان النهار قد أخذ في الانحدار نحو الغروب، وشمس آخرة اليوم تلمع على مياه الأردن فتظهرها كالنحاس المنصهر. وقف ألوفازار الكاهن، ابن فينحاس وحفيد العظيم ألعازار، يراقب الجموع الغفيرة من بني رأوبين وبني جاد ونصف سبط منسى وهم يعبرون النهر. لم يكونوا كمن يهرب من معركة، بل كانوا عائدين إلى موطنهم، إلى أرض جلعاد الواقعة شرقي النهر، بعد أن أوفوا بوعدهم لموسى ثم ليشوع: فقاتلوا مع إخوتهم حتى استقرت أرض كنعان غربي النهر.
كان هناك شيء في صمتهم المشحون، في الطريقة التي حملوا بها أمتعتهم وأسلحتهم، وفي نظراتهم الأخيرة نحو الغرب حيث بنى يشوع المذبح في شيلوه، أثار في نفس ألوفازار شعوراً غامضاً. رأى كيف تجمعوا على الضفة الشرقية، في منطقة تسمى جِلْعَل، وكيف أخذوا في تشييد مذبح ضخم، ليس من حجارة مقطوعة، بل من صخور طبيعية كما تنص الشريعة، لكن حجمه كان عظيماً يلفت الأنظار.
لم يمض وقت طويل حتى وصلت الأنباء إلى معسكر إسرائيل في شيلوه. كلمات متقطعة، ثم همهمات، ثم صيحات استنكار. “بني رأوبين وجاد ونصف منسى قد بنوا مذبحاً مقابل أرض كنعان، عند دائرة الأردن، في جهة بني إسرائيل!” كان الخبر كالصاعقة. تذكر الجميع خطايا بَعْل فغور، وتذكروا اللعنات التي تنزل على من يخالف وصية الرب ويقدم ذبائح خارج المكان الذي يختاره.
اجتمع المجتمعون عند باب خيمة الاجتماع. كان وجه فينحاس شاحباً، وعيناه تشعان بوهج المروءة الغاضبة التي عرفها الناس منه عندما طعن الزاني والزانية برمحه. وقف يشوع، الرجل العجوز الذي حمل أعباء قيادة شعب عنيد، ينظر إلى الأفق شرقاً وكأنه يحاول فهم ما جرى. “لماذا؟” همس أحد الشيوخ، “ألم نعطهم نصيباً طيباً في جلعاد؟ ألم نباركهم لوفائهم؟ لماذا يرتدون الآن ويعملون عملاً يشبه عبادة الأصنام؟”
قرر المجتمعون إرسال وفد رفيع المستوى قبل أن يتخذوا أي إجراء حاسم. اختاروا فينحاس بن ألعازار الكاهن، لعلمه وغيرة المقدسة التي تحمله، وعشرة رؤساء، رئيس من كل سبط من أسباط إسرائيل، ليمثلوا الجماعة كلها. كانت التعليمات واضحة: أن يذهبوا إلى إخوتهم في جلعاد ويواجهوهم بهذا العمل.
قطع الوفد نهر الأردن، وكانت قلوبهم ثقيلة كالحجارة. مشوا عبر الوديان والتلال حتى وصلوا إلى بني رأوبين وجاد ونصف سبط منسى. استقبلهم هؤلاء بوجوه صارمة، وهم واقفون أمام مذبحهم الضخم الذي بدا الآن أكثر ضخامة مما تخيلوه.
وقف فينحاس، وصوته يرتجف من شدة المشاعر المكبوتة، لكنه واضح كقرع الأجراس: “هكذا تقول كل جماعة الرب: ما هذه الخيانة التي خنتم بها إله إسرائيل، بالرجوع اليوم من إتباع الرب، إذ بنيتم لأنفسكم مذبحاً وعصيتم اليوم على الرب؟ أليس ذنب فغور كافياً، الذي لم نطهر منه إلى هذا اليوم، حتى جاءت الضربة على جماعة الرب؟ وأنتم ترتدون اليوم من إتباع الرب! وإن كنتم اليوم تمردون على الرب، فغداً يغضب على كل جماعة إسرائيل!”
ساد صمت مطبق بعد هذا الاتهام القاسي. ثم تقدم إليآب بن محير، أحد رؤساء بني جاد، وكان صوته هادئاً عميقاً كهدوء نهر في الليل: “إن كان عندكم ظن بأننا عملنا هذا لنجحد الرب أو لنقدم عليه محرقة أو تقدمة أو ذبيحة سلامة، فليكن الرب نفسه دياناً بيننا. لم يكن في قلوبنا هذا. بل خشينا… خشينا أمراً عظيماً.”
أخذ نفساً عميقاً واستمر: “خشينا أن يقول أبناؤكم لأبنائنا في غدٍ: ماذا لكم ورب إسرائيل؟ قد جعل الرب الأردن تخماً بيننا وبينكم، يا بني رأوبين وبني جاد، فليس لكم نصيب في الرب. عندئذ قد يحرم أبناؤكم أبناءنا من مخافة الرب. فقلنا: لنعمل هذا ونتخذ مذبحاً، لا للمحرقة ولا للذبيحة، بل ليكون شاهدا بيننا وبينكم وبين أجيالنا بعدنا.”
توقف قليلاً، ونظر إلى المذبح ثم إلى وجوه إخوته الغرباء: “نحن نعمل خدمة أمام الرب، محرقاتنا وذبائحنا وذبائح سلاماتنا ستكون على مذبح الرب أمام خيمته في شيلوه. وهذا المذبح… هو ليس للعبادة. إنه مجرد صورة، مجرد تذكار حجري، ليشهد أننا أيضاً عبيد للرب. شاهدا على أن أبناءنا وأبناءكم من أمة واحدة، وأن حدود النهر لا تقسم قلوبنا. فإذا ما قال أحد في المستقبل: إنكم لا نصيب لكم في الرب، يشيرون إلى هذا المذبح ويقولون: انظروا، فلدينا مثال على شركتنا.”
كانت كلماته تخرج من أعماقه، مختلطة بشعور عميق بالألم والخوف من الانفصال. ثم أضاف: “حاشا لنا أن نتمرد على الرب ونرتد اليوم عن إتباعه، بأن نبنى مذبحاً للمحرقة أو للتقدمة أو للذبيحة سوى مذبح الرب إلهنا الذي أمام مسكنه.”
سكت الرجل. وسكت الجميع. نظر فينحاس إلى وجوه الرؤساء العشرة الذين جاءوا معه، ثم نظر إلى المذبح العملاق الذي فهم الآن معناه. لم يكن تحدياً، بل كان صرخة خوف من النسيان، طلباً يائساً للبقاء جزءاً من الجسد الواحد. شعر كأن حجراً ثقيلاً قد رُفع عن صدره.
أجاب فينحاس بصوت تغيرت نبرته تماماً: “اليوم نعلم أن الرب في وسطنا، إذ لم تفعلوا هذه الخيانة مع الرب. الآن قد أنقذتم بني إسرائيل من يد الرب.”
وعاد الوفد إلى شيلوه يحمل الجواب. وعندما سمع يشوع والشعب كلام بني جلعاد، رضوا وحمدوا الرب، ولم يعودوا يتكلمون عن الذهاب للحرب ضدهم لخراب الأرض التي سكنها بنو رأوبين وبني جاد.
ومن ذلك اليوم، سموا المذبح “عِيد”، أي “شاهد”، لأنه كان شاهدا بينهم أن الرب هو الإله. وشيئاً فشيئاً، أصبح المذبح مكاناً يذكر الأجيال بأن العبادة الحقيقية هي للقلب والطاعة، وأن الشكل الخارجي، حتى لو كان مذبحاً ضخماً، ما هو إلا حجر يشهد على عهد، وخوف محب من الانفصال، وترنيمة صامتة تروي قصة شعب أراد أن يبقى واحداً رغم امتداد الأرض واتساع النهر.




