عادت جيوش يربعام منهزمةً تحت وهج الشمس المُحِيِط، وحيدةً كسرب من الغربان المُجهدة. كانت ريحٌ حارقةٌ تأتي من جهة الشرق، تحمل عبير الغبار واليأس، فتدخل شوارع شكيم الخاوية. وفي القصر، حيث الظلّ وحده يجسر على الاحتماء، كان الولد مضطجعاً على فراش من أغطية مُطرَّزة بذهبٍ باهت. نَفَسُهُ خفيفٌ كخيط حرير، وحرارته تُذيب شمع الأضواء في زوايا الغرفة. كانت أمه، تلك المرأة التي لم يذكر التاريخ اسمها، واقفةً عند باب الحجرة وكأنها عمود من ملح، عيناها معلقتان بذلك الصدر الصغير الذي يرتفع وينخفض بصعوبةٍ بالغة. لم تكن تبكي. فالدموع، في ذلك المكان والزمان، صارت بذخاً لا طاقة لأحد به.
في خارج الغرفة، في دهاليز القصر الباردة، سمعت وقع أقدام الخدم وهي تتراكض خائفة. كان يربعام نفسه في مكانٍ ما، محتجزاً بجروحه وبالهزيمة التي لم يفكر يوماً أنها ستلاحقه. لكن الأم فكّرت في شيءٍ واحد فقط: نُبُوَّة. تذكرت ذلك الرجل العجوز، أخيا الشيلوني، النبي الأعمى الذي مسح زوجها ملكاً. كان قد صار عينا الآن، يعيش في شيلوه، وكأن العمى صار غطاءً لعينين أخرَي تنظران ما لا يراه المبصرون. أتراه يعرف؟ أتراه يرى هذا الولد الذي يحتضر؟
قررت أن تذهب إليه. ليس كملكة، بل كأمّ بثوب خادمةٍ بسيطة، ومعها قرصان من خبز الشعير وجرّة عسل صغيرة، كهدية لا تليق بملكة، بل تليق بفقراء يطلبون نعمة. ركبت حماراً وحدها، من دون حرس، متسللةً من باب خلفي كالسارقة في وطنها. كانت الشمس تميل نحو الغرب عندما وصلت إلى شيلوه. كان بيت أخيا بسيطاً، طيُنه مُتشققاً، لكن سلاماً غريباً يخيّم على باحته. وقد سبقها الخبر إلى النبي الأعمى. فحين دخلت، وهو جالس على حصير مُتهرّئ، سمع وقع قدميها قبل أن تُنطق حرفاً.
قال بصوته المتهدج، وكأنه يقرأ من سفر مفتوح في داخله: “ادخلي يا امرأة يربعام. لماذا تتنكرين وأنا مُرسَل إليك بأمرٍ قاسٍ؟” فارتعدت، ونسيت كل ما تدربت على قوله. فجلسها وأمر خادماً بإحضار ماء. ثم ابتدأ يتكلم، وكلماتُه كانت كالمطرقة تُثَبَّت بها ألواح مصيرٍ مُحكم.
أخبرها عن الخطيئة التي لا تُغتفر، عن العجول الذهبية في دان وبيت إيل، عن قلب يربعام الملتوي الذي جعل الشعب يخطئ. قال لها كلمات النبوة بلا رحمة، كلماتٍ عن دمار بيت يربعام، عن قَطْعِ كل ذكَرٍ حجراً بحجر، عن تشتيت الشعب كالقش في الريح. كانت تقف وتسمع، وكأن جسد ابنها المريض قد انتقل إليها، فشعرت بحرارة الموت تدب في عظامها. ثم ختم كلامه بالنبوة عن الولد نفسه: “إِنَّهُ يَمُوتُ وَيُدْفَنُ، لأَنَّهُ وَجِدَ فِيهِ مِنْ بَيْتِ يَرُبْعَامَ شَيْءٌ صَالِحٌ نَحْوَ الرَّبِّ.” مات وهو يتكلم، أو هكذا خُيِّل إليها. لكنه أشار بيده نحو الباب، إشارةَ نهاية.
عادت أدراجها في الظلام. كان الطريق مُخيفاً، وعرّ cries الذئاب تصل من التلال، لكن خوفها من تلك الكلمات كان أعظم. وصلت القصر مع الفجر الأول، فوجدت الخدم واقفين صامتين عند باب غرفة الولد. دخلت، وكان جسده الصغير قد برد. لكن على وجهه، كما لاحظت بنظرة أخيرة، كانت تُرسم سكونٌ لم تعرفه من قبل، سكون يشبه السلام. وبدأت، بعد ذلك، النبوة تتحقق كلمةً كلمة. مات الولد ودفن، وانطلقت حروب ودماء، كأنما كلمات أخيا العجوز كانت بذور شوك نبتت في كل أرض إسرائيل.
وأصبحت قصة يربعام، في ما بعد، مَثَلاً يُضرَب للملك الذي أضل شعبه، وللنبوة التي لا تُردّ، وللرحمة الغريبة التي تظهر حتى في قلب الدينونة، كزهرة صغيرة تنمو على حافة الهاوية.




