الكتاب المقدس

صدى مزمور في زمن التهديد

كان الجوّ حارّاً ثقيلاً، كأنّ سماءً من نحاس قد غطّت أرض يهوذا. حتى نسيم المساء الذي كان يعتاد أن يهبّ من ناحية البحر، جاء اليوم خاملاً محمّلاً بغبار الطرقات. جلست تحت شجرة بطم عجوز على تلة مطلة على السهل، أتأمل الدخان المتصاعد من مواقد القرية. في أذنيّ لا تزال تتردد صدى كلمات ذلك المزمور القديم، مزمور آساف، وكأنّها نُقشت على قلبي بنار.

كانت الأيام تشبه بعضها. أخبار القوافل القادمة من الشمال لا تُسرّ أحداً. تحالف هنا، وهمس هناك، ونظرات حقد من جيران اعتدنا أن نتبادل معهم السلام والقمح أحياناً. لكنّ قلوبهم، كما يبدو، تغيّرت. سمعت الشيوخ يتهامسون عند البئر: “إدوم وإسماعيل، موآب وهاجرين… كلّهم اجتمعوا ضدّنا.” كانت الكلمات ثقيلة كالحجارة. لم تكن مجرد خصومات قبائل، بل كان قراراً مُبيّتاً، كما يقول المزمور: “هَيَّا نَمْحُهُمْ مِنْ بَيْنِ الأُمَمِ وَلاَ يُذْكَرِ اسْمُ إِسْرَائِيلَ بَعْدُ.”

تذكرت وجه أبي، رجل الله الهادئ، وهو يقرأ هذا المزمور في ليالي الخوف، حين كان البربر يهددون أسوار المدينة. صوته كان يرتفع وينخفض كأمواج البحر في عاصفة: “يا الله، لا تَسْكُت. لا تَسْكُت وَلا تَهدأ يا الله.” كانت تلك الكلمات صلاة مستعجلة، تنطلق من حلقوم مشدود بالرعب. واليوم، أشعر بنفس الرعب، لكنه أعمق، وأكثر صمتاً. إنه رعب الزمن البطيء، حيث يتربص الأعداء ولا يهجمون، فيغتالونك بالانتظار.

نهضت وأنا أحسّ بثقل السنين على كتفي. نزلت إلى الوادي حيث يجري نهر صغير، صار الآن خريراً بائساً في الصيف. الماء كان يعكس سماءً بلون الرماد. وقفت هناك، وبدون أن أدري، انطلقت شفتاي بالدعاء. لم أكن أتلو كلمات مكتوبة، بل كانت تخرج من أعماق أحشائي، خليطاً من المزمور وحسرتي: “اللهم، اجعلهم كعَجْلٍ كالقَشِّ أمام الرّيح. كما تلتهم النارُ الغابة، وكما تذيب اللهبُ الجبال، هكذا الحقهم بعاصفتك.”

لكنّ الصلاة، في اللحظة نفسها، أحسست بمرارتها. أطلب الدمار لأعدائي؟ نعم، لأنّ الخوف يصرخ بهذا. لكن قلبي تذكّر شيئاً آخر. تذكرت النهاية التي كتبها آساف، التي كدت أن أنساها في غمرة ضجري: “ليعلموا أنك أنتَ، اسمكَ يهوه، وحدكَ العليّ على كل الأرض.”

توقفت. الريح هبت فجأة، حرّكت أوراق الأشجار فصارت تهمس همساً قديماً. لم تكن صلاة انتقام، بل كانت صلاة إعلان. الهدف ليس الإهلاك لأجل الإهلاك، بل كسر الكبرياء التي تتحدى السماوات ذاتها. أدركت في تلك اللحظة، وأنا واقف أمام الماء العَكِر، أن خوفي الحقيقي لم يكن من جيوش التحالف، بل من أن نُنسى، أن يُطمس اسمنا كشعب حمل عهد الله. والله، في عدله الغريب، يسمح بهذا التهديد ليس ليدمرنا، بل ليبين لهذا الجمع المتآمر أن هناك من هو أعلى، كائن لا تُقهر مشيئته.

عند المغيب، صعدت إلى مكان مرتفع. في الأفق، كانت خيام بعض البدو ترتسم ضدّ الشفق الأحمر. لم أعد أنظر إليهم كأعداء فقط، بل كأدوات في يد خفية، قد تستخدم غضبهم ليُعلن مجداً أعظم. ربما ستأتي العاصفة، وربما ستهدر ريح الجنوب المحمّلة بالرمل والحقد. لكنّ المزمور علمني أن الصلاة ليست تعويذة لتحويل الخطر، بل هي تعلق برأس الحبل الذي يصل الأرض بالسماء، حتى في الظلمة الدامسة.

عدت إلى كوخي، وأنا أحمل سلاماً غريباً، ثقيلاً كالرصاص، لكنه حقيقي. كتبت على لوح من طين، بكلمات بسيطة، صدى ما عشته: “اللهم، لا تُسكت. اجعل من تهديدهم ترنيمة تعلن أنك أنت وحدك الله. وليكن الخوف الذي يزرعونه، سبباً لأن ترتفع عيوننا، وعيونهم، إليك.”

وضعت اللوح في زاوية مظلمة، حيث رطوبة الأرض ستأكل الكلمات بعد حين. لكنّ الصلاة التي تحولت من صراخ إلى ثقة، تلك لن تأكلها الرطوبة. ستظل تتردد، كما تردد صدى مزمور آساف عبر السنين، شاهدة أن في قلب العاصفة، هناك صمت إلهي يتكلم.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *