هكذا تكلم الرب على فم إشعياء ابن آموص:
كانت سحب الخريف الثقيلة تتدلى فوق جبال السامرة، حاملةً في ثناياها رائحة التراب البلل بعد عصر طويل من الجفاف. في المدينة، بين الأزقة الضيقة المليئة بصراخ الباعة وصمت الكهول الجالسين على عتبات البيوت، كان هناك شعورٌ ثقيل، ليس كثقَل المطر المنتظر، بل كثقَل حجرٍ يُسَدُّ به فم بئر. فقد وصلت الأخبار مع قوافل التجار القادمة من الشمال، أخبارٌ عن زحف لا يُرد، عن جيش آشور الذي لا يقهر، وهو يقترب كالسيل الذي يبتلع كلّ ما في طريقه.
كانوا في أورشليم أيضاً يسمعون، لكنّ آذان كثيرين كانت قد أمست صمّاء من سماع وعود الملوك الفارغة، ومن ترانيم الذبائح الفارغة التي تُرفع في الهيكل بينما القلوب بعيدة. كان الملك وحاشيته يتشاورون في القصر، وأصواتهم تعلو وتهبط كأمواج مضطربة. البعض كان يصرّ على التحالف مع مصر، “ففرعون قويٌ وجيشه عديد”، والبعض كان يتمتم بكلمات تذكر بالعهد القديم، بالرب الذي أخرجهم من أرض العبودية. لكن تلك الكلمات كانت تبدو لهم كذكرى بعيدة، كحكاية يُحكى لأطفال قبل النوم، لا كقوّة تُواجه بها عربات الحرب الحديدية.
وفي الشمال، حيث مملكة إسرائيل، كان الدمار قد حلّ. سالت دماء الأبرياء والذنوب معاً في الأودية. جيش آشور، بقيادة ملكٍ يسمّي نفسه “قضيب غضب الرب”، كان لا يرحم. المدن صُفِّيت، والحصون دُكَّت، والناس سيقوا موثقي الأيدي مثل قطعان الماشية، وصوت البكاء ارتفع إلى السماء. كان القائد الآشوري، ترتان قائد الجيش، واقفاً على تلّة يطلّ على مدينة “قادش” المحترقة، وعيناه الباردتان تنظران إلى الجنوب، إلى يهوذا وأورشليم. في صدره انتفاخٌ غريب، شعورٌ بأنّ القوة التي يحملها بين ضلوعه هي قوته وحده، بأنّ ذراعه هي التي انتصرت، وبأنّ حكمته هي التي خطّطت. كان يتذكّر كلمات ملكه: “أليست كلّ هذه الممالك كبيتٍ بلا ربّ؟ أليست آلهتهم خشباً وحجارة؟”. فأضحك في سره، واعتقد في قرارة نفسه أنه هو الرب الجديد، الذي بيده مصير الأمم.
لكنّ الرب كان يراقب من عليائه. كان غضبه على شعبه المختار قد اشتعل، لأنّهم تركوا العدل، وسلكوا في مناهج الظلم، وطغى الغني على الفقير، وأصبح الحقّ يُباع في الأسواق. فأراد أن يؤدّبهم، فاختار أقسى أدوات التأديب: آشور. جعل منهم سوط غضبه، فأس حصاده. لكنّ الفأس لا تدرك أنّ الذي يحركها هو النجار، والسوط لا يعرف أنّ الذي يمسكه هو السائس. وهكذا، بينما كان قلب الآشوري يمتلئ كبرياءً وغروراً، كان الرب يقيس أفكاره بميزان الحق.
وفي إحدى الليالي، بينما كان ترتان يُعدّ خطّة الهجوم النهائية على أورشليم، نام مضطرباً. ورأى في منامه رؤيا: شجرة بلّوط ضخمة، أغصانها تظلّل الأمم، تفتخر بعظمتها وقوّتها. وفجأة، سمع صوت هبوب ريح عاتية، لم تكن من الشرق ولا من الغرب، بل من الأعالي. فاهتزّت الشجرة من أصلها، ثم سمع صوت فأسٍ تضرب، لا في الأغصان، بل في الجذر. وانكسر الجذر بصوتٍ كالرعد، وسقطت الشجرة العظيمة، وتحطّمت أغصانها، وصارت وكأنها لم تكن. واستيقظ القائد مرتعداً، والعرق البارد يبلل جبينه، لكنّه نفض الخوف عن نفسه، واعتبره مجرد هذيان تعب.
ومضى الزحف. عبرت جيوش آشور المنعطفات الجبلية باتجاه أورشليم، كجيش جرادٍ لا يُحصى. وعندما رآهم حرّاس أورشليم على التلال البعيدة، ساد الذعر المدينة. لكنّ الرب كلّم إشعياء في تلك الأيام الحالكة، وقال له: “لا تخفْ يا شعبي. إنّ آشور ستنكسر على صخرة صهيون. نعم، استخدمتهم كعصا غضبي، لكنّهم زادوا في الشرّ. هم يريدون الإبادة، وأنا أريد التأديب. هم يريدون أن يمحو اسمي، وأنا سأمحو كبرياءهم”. وخرج إشعياء إلى الملك وحثّه على التوكّل على الرب وحده، وليس على الخيول والمركبات، ووعده بأنّ الرب سيدافع عن المدينة كطائر ينتشر بجناحيه ليحمي فراخه.
وجاءت اللحظة الفاصلة عند أسوار أورشليم. حاصر الآشوريون المدينة، وأرسل قائدهم رسالةً مليئة بالتهديد والاستهزاء، يسخر فيها من الله كما سخر من ملوك الأرض. ووقف الجنود على الأسوار وهم يرون جيشاً لا نهاية له، وقلوبهم تذوب خوفاً. لكنّ الملك حزقيا، بعد أن توسّل إلى الرب، ثبت قلبه. وفي تلك الليلة، بينما كان المعسكر الآشوري نائماً واثقاً من نصر الغد، نزل ملاك الرب، وسار في أوساط الخيام. وكانت ضربته كضربة الوباء الذي لا يُرى، فاستيقظ الفجر على جثثٍ لا تُعدّ ولا تُحصى. عشرات الآلاف من الجنود الأشاوس، الذين كانوا بالأمس يهدّدون السماء والأرض، صاروا جثثاً هامدة. وبقي قائدهم، ترتان، واقفاً وسط الخراب، ينظر إلى يده التي كانت تحمل السيف، فلم يعد يرى فيها قوة، بل رأى ظلّ الفأس في الحلم. وعاد أدراجه مع بقية فلوله، خاسراً كلّ شيء، إلا الدرس الذي لن ينساه: أن الغرور سقطة، وأن القوة الحقيقية هي لله وحده.
وهكذا، تحقّقت كلمة الرب: “هل يتفاخر الفأس على من يقطع به؟ هل يتعظم المنشار على من يحرّكه؟”. عادت أورشليم إلى ربها، ولو لفترة، وعلمت أن الخلاص ليس من الجبال ولا من الحصون، بل من الرب صانع السماء والأرض. وبقي صوت النبوة يتردّد: “يا شعبي، لا تضعوا ثقتكم في عصا القصَبِ هذه، آشور. لأنّ غضبي سينصرف عنكم، وحرّيقي سيلتهب عليها، فيأكل كالنار شوكها وحسكها”. وكانت تلك الآية عبرةً للأمم، ودليلاً على أن يد الرب، وإن تأخرت، فهي لا تقصر، وهي تحكم بالعدل، وتذلّ المستكبرين في وقتٍ لا يتوقعه أحد.




