الكتاب المقدس

نهر الحياة من عتبة الهيكل

رأيتُهُ في تلك البكورة، حين كان الضباب البارد لا يزال متعلقاً بأهداب الوادي، والنسيم يحمل رائحة التراب الجاف، تراب منفى طال. وقف الرجل، حزقيال، في فناء البيت، وقد التفت حوله وجوهٌ شاحبةٌ تنتظر. لم يتكلم في البداية، بل كانت عيناه تحدقان نحو الباب المغلق، باب الهيكل. ثم حدثَ ما لم نكن نتوقعه. لم تزل صواعق، ولم تهتز الأرض، بل سمعنا صوت مياه.

نبع الماء من عتبة الباب، من تحت العتبة ذاتها، نحو المشرق. كان خيطاً رفيعاً في البداية، يتلألأ في ضوء الفجر الخافت. ظننتهُ وهماً من أوهام الصحراء، أو شوقاً من أشواق القلب إلى نهر الكبار. لكن الخيط ازداد، وصار تياراً هادئاً يتدفق على حجارة الرخام، ثم انحدر نحو الباب الشرقي. تبعناه، نحن القلائل الذين بقينا، خطواتنا ثقيلة من الريبة والرجاء.

كان الرجل ذو القياس، الذي ظهر فجأة، يسبقنا. بيده قِصَبَةُ القياس، ذراعٌ بعد ذراع. عبرنا مع الماء، وقد صار الآن إلى الكعبين. ماء بارد، نقي، لم أذق مثله منذ أيام نهر الفرات في الصبا. كان ينحدر نحو القفر، نحو تلك الأرض المالحة التي لا حياة فيها. ثم زاد، فبلغ الركبتين. صار المشي عسيراً، لكننا لم نرد التوقف. شيء في ذلك الماء كان يجذب الروح قبل الجسد.

ثم صرنا في وسط التيار، والماء إلى الحقوين. حولنا صمت عظيم، لا صوت إلا خرير الماء الحاني، وحفيف شجيرات السدر البعيدة. نظرت إلى الوجوه، فرأيت الدموع تسيل على الخدود المحترقة، دموع صامتة تذوب في ماء النهر. تذكرتُ كلام الأنبياء القديم: “يهتف القفر والبادي، ويفرح البرّ ويتفتح كالسوسن”. لم أكن أفهم، أما الآن فكأن حجاباً نُزع عن عيني.

استمر الرجل في القياس، والماء يرتفع. وفجأة، لم نعد نمشي. صرنا نَسبَح. نهر عظيم، لا يُجاز، نهر للعبور لا للسير. حملنا تياره بلطف، نحو المشرق، نحو موت الأمس. نظرت إلى الشاطئين، فإذا الأشجار قد نبتت، من لا شيء، على الجانبين. ليست أشجار صحراء معروفة، بل غابة غريبة، خضراء داكنة، مورقة، تصل فروعها فوق النهر كقبة من الحياة. ورقها لا يذبل، وثمرها لا ينقطع. لكل شهر ثمر جديد. وكانت أوراقها للشفاء.

ثم وصلنا إلى البحر، البحر الكبير، بحر الملح، بحر الموت. رأينا من بعيد مياهه الراكدة الثقيلة، التي لا تحتمل سوى السفن الميتة. وكنا نعلم أن كل نهر عذب يضيع فيه، يذوب ولا يغيره. لكن هذا النهر كان مختلفاً. عندما اختلط ماؤه العذب بماء البحر المالح، حدثت معجزة الصمت. لم يكن انفجاراً، بل تحولاً. صار البحر، من حيث يصل النهر، عذباً. رأيت الأسماك، أنواعاً لا تحصى، تملأ المياه التي كانت موتاً، ورأيت الصيادين وهم يلقون شباكهم من عين جدى إلى عين عجل. كان كل شيء حياً.

وقف حزقيال على شاطئ البحر المُحَوَّل، ونظر إلينا. لم يقل شيئاً كثيراً. قال: “هذه المياه تخرج إلى الدائرة الشرقية، وتنزل إلى العربة، وتأتي إلى البحر، فتُشْفَى المياه”. ثم سكت. لكن عينيه كانتا تقولان أكثر. كانتا تقولان: هذا ليس نهراً من ماء فقط. هذا هو النهر الذي يخرج من عرش الله، من مقدسه. حيثما يأتي، يحيي. يُحيي الأرض المالحة، ويُحيي النفس اليابسة، ويجعل من البحر الميت ذكرى للماضي فقط.

عدنا أدراجنا في السكون. لم يكن أحدٌ يتكلم. كلٌ يحمل نهراً في صدره. حتى الصحراء في طريق العودة، بدت وكأنها تنتظر. وبقي في أذني، حتى اليوم، ذاك الصوت الأول: خرير الماء تحت عتبة الباب، بداية الخلاص من حيث لا نتوقع.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *