الكتاب المقدس

اعتراف بطرس وثمن التبعية

كان الجو بارداً قرب قيصرية فيلبس، حيث تنبعث رائحة التراب الرطب بعد مطر خفيف. كان يسوع يسير أمامهم، صامتاً لفترة، كمن يحمل ثقلاً في صدره. التلاميذ يتناقشون خلفه بصوت خافت، همهماتهم تختلط مع حفيف أشجار السندس. كانت الريح قادمة من نهر الأردن البعيد تحمل نسمات مالحة.

توقف فجأة وواجههم. نظراته كانت ثاقبة، تبحث في أعماقهم. “ماذا يقول الناس عني؟ من أكون في نظرهم؟”

اجتاحت المجموعة موجة من الهمهمات. أجاب أحدهم: “البعض يقول إنك يوحنا المعمدان، الذي عاد من بين الأموات”. وقال آخر: “وآخرون يرون فيك إيليا النبي، الذي رُفع إلى السماء وهو حي”. وهمس ثالث: “البعض يتحدث عن إرميا أو واحد من الأنبياء العظام”.

صمت قصير. كان وجهه لا يخلو من حزن خفيف، كما لو كان يتوقع هذه الأجوبة ولم يكن ينتظرها في الوقت نفسه. ثم سأل سؤالاً مختلفاً تماماً، سؤالاً اخترق ضجيج العالم الخارجي ووصل إلى قلوبهم المرتعشة: “وأنتم، من تقولون إني أنا؟”

توقف الزمن للحظة. لم يعد هناك صوت سوى حفيف الأوراق. كان سمعان بطرس، الذي كان يحمل في عينيه ناراً غريبة منذ أيام، كما لو كان يحارب فكرة لا تستقر، تقدم خطوة إلى الأمام. كلماته خرجت من حنجرته بخشونة، لكنها كانت صلبة كالصخر: “أنت المسيح، ابن الله الحي”.

لم تكن مجرد إجابة. لقد كانت اعترافاً انطلق من أعماق الروح، من واقع عاشه معه: من شفاءات على جانب الطريق، ومن لحظات سكينة على الجبل، ومن عاصفة هدأت بكلمة، ومن خبز وأسماك تكاثرت بين يديه. رأى في عيني يسوع وميضاً، كمن وجد أخيراً ما كان يبحث عنه في قلوب أحبائه.

“طوبى لك يا سمعان بن يونا!” كان صوته دافئاً وحازماً. “ليس اللحم والدم أعلن لك هذا، بل أبي الذي في السموات. وأنت، فأنت الصخرة، وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها”.

كانت كلمات غريبة، ثقيلة المعنى. كلمة “كنيستي” كانت جديدة على مسامعهم. لكن الوعد كان واضحاً: قوة الحياة ستهزم قوة الموت. ثم منحه سلطاناً لم يمنحه لأحد غيره: سلطان الربط والحل، سلطان يغير واقع الخليقة. شعر التلاميذ برهبة تخترقهم. كان بطرس واقفاً، مرتبكاً، عاجزاً عن استيعاب ما سمع.

لكن يسوع لم يمنحهم وقتاً للفرح. ابتعدت نظراته عنهم، نحو الأفق حيث كانت تلوح جبال حرمون البيضاء. وبدأ يتكلم عن شيء آخر، شيء مزق فرحتهم الناشئة. “ينبغي أن أمضي إلى أورشليم، وأتألم كثيراً من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة، وأُقتل، وفي اليوم الثالث أقوم”.

لم يستطع بطرس احتمال هذه الصورة. مسيح يُقتل؟ هذا مستحيل! تقدم مسرعاً وأمسك بذراع يسوع، كمن يريد أن يحميه من فكرة مجنونة. “حاشاك يا رب! لن يكون هذا لك أبداً!”

لكن وجه يسوع تحول فجأة. كانت النار التي رأوها في عينيه عند الاعتراف به قد تحولت إلى جمر متقد من التوبيخ. “اذهب عني يا شيطان! أنت معثرة لي، لأن أفكارك ليست أفكار الله، بل أفكار الناس”.

ارتجف بطرس وكأنه صُعق. كلمة “شيطان”، أي “المقاوم”، سقطت عليه كحجر. لقد فهم فجأة الفجوة الهائلة: لقد اعترف بالمسيح، لكنه رفض طريق المسيح. الطريق المؤلم، طريق الخسارة، طريق الصليب.

ثم التفت يسوع إلى الجميع، صوته يخفت لكنه يخترق العظام. “إن أراد أحد أن يأتي ورائي، فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني. لأن من أراد أن يخلص حياته يهلكها، ومن يهلك حياته من أجلي يجدها”.

كانت كلمات تتحدى كل منطق بشري. الصليب، أداة العار والموت الرومانية، أصبح شرطاً للاتباع. لم يكونوا يفهمون كل شيء، لكنهم شعروا أن دعوته تطلب كل شيء.

“ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟” سؤال علق في الهواء كرائحة المطر. “أو ماذا يعطي الإنسان فداء عن نفسه؟”

ثم جاء الوعد الأخير، وعد غامض وجميل في آن معاً: “فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته، وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله”.

ساروا عائدين نحو القرى، لكن الجو كان قد تغير. لم يعودوا نفس المجموعة التي جاءت في الصباح. لقد رأوا مجداً وأعلنوه، ثم سمعوا عن ثمنه. كانت الشمس تميل نحو الغروب، تلقي بظلال طويلة على الدرب. وكان كل منهم يحمل في قلبه سؤالاً ثقيلاً: أي صليب سأحمله؟ وأي حياة أنا مستعد لأن أهلكها؟

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *