كان الجوّ في كورنثوس حارّاً رطباً ذلك المساء، كالعادة. عبر بولس الطريق المرصوف بالحجارة، وحيداً، متوجهاً نحو بيت جايوس. صعدت روائح زيت الزيتون والسمك المملح من السوق المظلم الآن، وامتزجت مع عبق نبات الياسمين المتسلق على الجدران البيضاء. كان قلبه ثقيلاً، ليس من التعب، بل من الكلمات التي حملها، كلمات يجب أن يقولها، لكنه كان يتمنى لو أن الظروف لم تُجبره عليها.
دخل الدار الواسعة. كانت الجماعة قد اجتمعت بالفعل. نساء جلسن مع نساء، رجال مع رجال، لكن شيئاً ما كان مختلفاً. لم يكن الأمر مجرد فصل، بل كان هناك انقسام، هوة غير مرئية ولكنها ملموسة كحجر الرخام البارد تحت قدميه. رأى نساءً من الأغنياء، من عائلات التجار المرموقين، شعورهن منسدلة بمشاهد ذهبية معقدة، متدلية بحرية على أكتافهن، يتحدثن بصوت عالٍ ويضحكن، بينما جلسن بجانب إخوة فقراء، نسائهم محجبات بحجاب بسيط من الصوف، صامتات، عيونهن على الأرض. ورأى رجالاً، أثناء تناول العشاء الرباني، يأكلون ويشربون بنهم، كأنه وليمة عادية، بينما ينتظر الفقراء في الخلف، خجولين، حتى ينتهي الأغنياء من سدّ جوعهم.
جلس بولس في صمت لبرهة. كان صوت نافورة الماء في وسط الدار يملأ الصمت الثقيل. ثم بدأ يتحدث، ليس بصووع الوعظ الجهوري، بل بهمس رجل حزين، حكيم.
“أخوتي… أخواتي…” قال، وصوته يكاد يختنق. “أتيت إليكم لأني سمعت. سمعت أن انقسامات بينكم. وها أنا أرى.”
نظر إلى النساء اللواتي شعورهن مكشوفة. “أتعلمن ما معنى هذا؟” سأل، لا بتوبيخ، بل بسؤال حقيقي. “أنتن لستن في ساحة مسرح، ولا في مأدبة وثنيّة. نحن هنا، حول مائدة الرب. عندما تصلين أو تتنبأين وشعرك منسدل هكذا، فهو أمر يجرح. ليس لأنه عارٍ في حد ذاته، بل لأنه يمحو علامة الخليقة التي وضعها الله. الغطاء، أيتهن النساء، ليس عاراً، بل هو مجد. هو تذكير، مثل هالة من النور حول رأسكن، بأنكن تأتين من الرجل، وأن الرجل يأتي منكن، وأن الكل يأتي من الله.”
توقفت إحدى النساء الثريات عن اللعب بطوق ذهب في يدها. كان كلام بولس غريباً. لم يكن عن القوانين، بل عن القصص، عن الصور. عن آدم وحواء. عن كيف أن الخليقة نفسها تحكي قصة ترتيب، وقصة ارتباط.
ثم التفت إلى الرجال، إلى أولئك الذين يأكلون الخبز ويشربون الكأس وكأنها ملكهم الخاص.
“وأما أنتم، يا إخوتي… هذه المائدة… أتذكرون من أين أتت؟” صوته ارتفع قليلاً، حاملاً ألماً حاداً. “في تلك الليلة، الليلة التي أسلم فيها الرب، أخذ خبزاً… وشكر. ثم كسره. وقال: هذا هو جسدي، المكسور من أجلكم.”
توقف. يمكن سماع صوت شهيق امرأة عجوز في الخلف.
“أتفعلون هذا؟ أم أنكم تأكلون وتشربون دينونة لأنفسكم؟ لأنكم لا تميزون الجسد. لا ترون الإخوة الجالسين معكم على أنهم أعضاء في ذلك الجسد الواحد. إذا كنتم جائعين، فكلوا في بيوتكم! لا تدنسوا اجتماعنا، اجتماع الجسد، بهذا الاحتقار لإخوتكم.”
ساد صمت مطبق. لم يكن غضباً في كلامه، بل حزن عميق، حزن أب يرى أبناءه يؤذون بعضهم، ويؤذون ذكراه. كان يتكلم عن الرأس والجسد، عن المسيح والكنيسة، عن الرجل والمرأة. لم يكن يتكلم عن تفوق أو سلطة بشرية مجردة، بل عن صورة، عن قصة كونية انعكست في ترتيب اجتماعهم الصغير. عن كيف أن غطاء المرأة هو إقرار بهذا السر، بسر الاتحاد والاختلاف في الخليقة. عن كيف أن مشاركة الخبز والكأس هي إقرار بسر وحدة الجسد، بذبيحة واحدة.
“لذلك،” اختتم، وصوته يعود إلى الهدوء، لكنه يعتريه التعب، “أيها الأخوة، عندما تجتمعون… انتظروا بعضكم بعضاً. لأننا، سواء كنا أغنياء أو فقراء، رجالاً أو نساءً، نحن جميعاً عطشى من ذلك النبع الواحد. وجميعنا نغطي رؤوسنا، في النهاية، بغطاء النعمة ذاتها.”
لم يقل أكثر من ذلك. بدأت الجماعة، بعد حين، بمشاركة الخبز والكأس، ولكن هذه المرة، كان هناك وقفة. كان هناك نظر في العيون. أخذت النساء منديلاتهن البسيطة أو أطر ثيابهن، وتغطين رؤوسهن، لا بمنطق العبودية، بل بمنطق الصلاة، بمنطق الدخول في قدس أقداس السر. وأخذ الرجال يمررون الخبز للفقراء أولاً، وهم صامتون.
خرج بولس لاحقاً تحت النجوم. كانت كورنثوس لا تزال نائمة تحت ضباب البحر الأبيض المتوسط. عرف أن المشكلة لم تحل كلياً. لكن شيئاً نما ذلك المساء. لم يكن مجرد قانون، بل كان فهماً. فهمٌ لِما يعنيه أن تكون جسداً واحداً، في عالم مليء بالانقسامات. وكان هذا، في النهاية، هو كل ما كان يأمله.




