الكتاب المقدس

عهد يشوع على ضفاف الأردن

كان الوادي يلفه صمت ثقيل، كأنما الأرض تَحبس أنفاسها. ريح خفيفة تمرّ بين أعشاب السهْل، فتُحْدث حفيفاً خافتاً كهمسٍ بعيد. وشعاع الشمس الأخير يتسلّل عبر الغيوم المتجمّعة في الغرب، مُلْقياً بضوءٍ عَمْرِيّ على مياه نهر الأردن التي تلمع من بعيد. وقف يشوع وحيداً على تلّة مُطِلّة، تلامس عيناه الأفق حيث توارت الشمس. لم يكن البرد الذي يعتري الأجساد هو ما جعله يرتعد قليلاً، بل ثِقل ما حلّ على كاهله فجأة، ثقل فراغٍ هائل خلَّفه رحيل موسى.

تذكر وجه شيخه، ذلك الوجه الذي كان يشعّ بحكمةٍ صاغتها سنون التيه ومواجهة الجبارين. تذكر يده المرتجّرة وهي تسلّمه الدرج المقدس. “كنتَ شاهداً على كل شيء، يا يشوع. والآن، ها هو الشعب، وهذه هي الأرض.” كانت الكلمات قليلة، لكنّ ثقلها كان كجبل.

عاد إلى خيمته، حيث كان السراج يتأرّجح ملقياً ظلالاً متحوّلة على جدران الجلد. جلس، وأخذ يدير في ذاكرته ما عاشه: عبور البحر، المنّ الذي كان ينزل كالندى، الصخرة التي تفجّرت ماءً، والوصايا المنقوشة على اللوحين. لكنّ صوت الربّ الذي كان يكلم موسى وجهاً لوجه، كان شيئاً آخر. كان صوته يُسمع من عمق الغمام. والآن، ها هو الربّ يتكلّم إليه هو.

لم يكن صوتاً يهزّ الجبال هذه المرّة، بل كان كلاماً داخلياً يملأ الصمت، واضحاً وحازماً، وكأنما يُنقش على قلبه.

“قُمِ اعْبُرْ هذا الأردن، أنتَ وكل هذا الشعب، إلى الأرض التي أنا معطيهَم إياها.”

توقّف يشوع عن التنفس للحظة. كلمات موسى الأخيرة كانت تكليفاً، أما هذه الكلمات فكانت وَعْداً. بل كانت أكثر من وعد؛ كانت عهداً. “كل مكان تدوسه بطون أقدامكم لكم أعطيته.” كانت العبارة تُرَدِّد صدى كلمات قديمة قالها لموسى من قبل. لكنّ الجديد كان ما يلي: “لا يَقِفُ إنسان في وجهك كل أيام حياتك. كما كنتُ مع موسى أكون معك. لا أهملك ولا أتركك.”

شعر وكأنّ حاجزاً من جليد في أعماقه قد ذاب. الخوف لم يختفِ تماماً، لكنّه تحوّل إلى شيء آخر، إلى وقارٍ مختلط بشرّة قوّة غريبة. الربّ معه. هو نفس الربّ الذي شقّ البحر، الذي أمطر خبزاً من السماء، الذي جعل المياه تتفجّر من الصخر. هذا الربّ يقول له: “كن شجاعاً وقوياً.”

لكن الشجاعة المطلوبة لم تكن شجاعة الجندي في ساحة المعركة فقط، بل كانت شيئاً أعمق. “كن شديداً وشجاعاً جداً، لتحرص أن تعمل حسب كل الشريعة التي أمرك بها موسى عبدي.” ها هو الأمر الحقيقي: الوفاء للعهد. الالتزام بالطريق الذي رسمه الربّ. “لا تمل عنها يميناً ولا شمالاً، لكي تفلح حيثما تذهب.” الفلاح، النجاح، الغلبة على الأرض والممالك العظيمة، كل ذلك مرتبطٌ بهذا الطريق المستقيم. مرتبطٌ بهذا الدرج الذي يجب أن لا يفارق فمه، والذي عليه أن يتأمّل فيه نهاراً وليل.

انحنى يشوع، وأخذ الدرج الجلدي بين يديه. فتحه. رائحة الجلد المدبوغ والورق المصري القديم امتزجت في أنفه. تلا بنصف صوت: “لا يبرح سفر هذه الشريعة من فمك، بل تلهج فيه نهاراً وليل.” كيف يلهج؟ ليس بتكرار كلمات جافة، بل بتذكّر كل معجزة، كل تدخل إلهي، كل مرة ثبت فيها الربّ وعده. بأن يجعل من الشريعة نغمة حياته، وإيقاع خطاه.

في الصباح الباكر، حين كان الضباب لا يزال نائماً على ضفاف النهر، دعا يشوع رؤساء الأسباط. اجتمعوا حوله، وجوههم تعكس الترقب والقلق. ما الذي سيقوله هذا الرجل الذي عرفوه قائداً للمحاربين، لكنّه ظلّ طوال السنين في ظلّ العظيم موسى؟

لم يطل الكلام. نظر إليهم نظرة ثابتة، وحكى لهم ما سمعه. لم يزدْ على ما قاله الربّ، لكنّه قاله بنبرة الرجل الذي تيقّن من الوعد. “أعدني الربّ إلهكم لكم. فشُدّوا أحزمتكم وأعدّوا زادكم. بعد ثلاثة أيام نعبر هذا الأردن لنأخذ الأرض.”

صمت للحظة، ثم أضاف، وكأنه يقرأ ما في أفئدتهم: “لا تخافوا ولا ترتاعوا. الربّ إلهكم سائر أمامكم. هو يكون معكم.”

نظر رئيس سبط يهوذا، شيخٌ كانت لحيته بيضاء كالصوف، إلى الأرض ثم رفع عينيه. كان التردد يعلو وجهه. لكنّ رئيس سبط أفرايم، وهو رجل أوسع كتفين وأقصر باعاً في الكلام، قال بصوته الجهير: “كل ما أمرتنا به نفعله، وحيثما ترسلنا نذهب. كما سمعنا لموسى نسمع لك. ليكن الربّ معك كما كان مع موسى.”

لكن يشوع هزّ رأسه بهدوء. “ليس كالاستماع لموسى وحسب. الاستماع للربّ. تذكروا الوصية. الشجاعة ليست في السيف وحده، بل في الطاعة. في الثبات على الكلمة.”

أمرهم أن يطوفوا في المحلة ويعلنوا الاستعداد. بدأت الحركة في المعسكر. أصوات الطرق على الأوتاد، وصياح النساء اللواتي يجمعن الأطعمة، وصراخ الأطفال الذين يدركون أن شيئاً عظيماً على الأبواب. رائحة خبز يُخبز على الجمر امتزجت مع رائحة التراب والتمر.

وقفت امرأة عجوز من سبط بنيامين، تلملم بعض أمتعتها القليلة، وقالت لابنتها وهي تشير نحو الشرق: “هناك، وراء ذلك النهر، تنتظرنا بيوتٌ لم نبنها، وكرومٌ لم نغرسها. قال الربّ ذلك.”

وكان غلامٌ صغير قد تسلّل إلى حافة المعسكر، ينظر باتجاه المياه البعيدة اللامعة. سأل أباه: “أبَشْرٍ نحنُ نقدر أن نمشي على الماء كما فعل آباؤنا؟” فضحك الأب، وربت على كتفه. “لا يا بُني. لكنّ الربّ الذي فلق البحر سيفلق لنا الطريق. انظر فقط وتعلّم الشجاعة.”

أما يشوع، فقد عاد إلى تلته عند المغيب. وقف مرة أخرى. النهر من بعيد بدا كأفعى فضية تتلوى في الظلام الدافع. وراءه، تمتدّ أرض مجهولة، فيها مدن عظيمة محصّنة، وأناس أشداء طولهم كطول الأرز. لكنّ كلمات الربّ كانت تدور في رأسه كدولاب من نار: “كل مكان تدوسه بطون أقدامكم لكم أعطيته… لا يَقف إنسان في وجهك… كن شديداً وشجاعاً.”

رفع عينيه إلى السماء حيث بدأت النجوم تظهر واحدة تلو الأخرى، كأنما تُرصَّع بحذر على رداء الليل الأزرق. تنهّد تنهيدة طويلة، لم تكن تنهيدة خوف، بل كانت خروجاً لآخر بقايا الشكّ من صدره. كان الثمن باهظاً: الطريق طويل، والمعارك كثيرة، والشعب صعب المراس. لكنّ الربّ معه. هذا يكفي.

نزل من التلّة باتجاه الخيمة، حيث كان نور السراج ينتظر. كانت الخطوة الأولى قد وُضعت. والثلاثة أيام ستمرّ كلمح البصر. ثم تبدأ الرحلة.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *