الكتاب المقدس

نار العوسج والملك الضال

كانت شكيم، المدينة القديمة المتوضعة بين جبال أفرايم، تتنفس في تلك الأيام هواءً ثقيلاً محملاً بغبار الطموحات ورماد الولاءات القديمة. كان الناس فيها، بعد سنوات من حكم جدعون، قد اعتادوا على هدوء نسبي، لكن قلوبهم كانت لا تزال تتوق إلى زعيم يرفع من شأنهم بين المدن. وفي تلك التربة الخصبة للطموح، نبتت بذرة مريبة.

كان لأبيمالك، ابن جدعون من سريته التي من شكيم، عينان حادتان كالسكين وقلب لم يرتاح قط لمكانة “الابن الآخر”. رأى كيف توزع إخوته السبعون، أبناء جدعون الأصليون، النفوذ والمكانة، بينما بقي هو في الظل، ابن المرأة الشكنية. فذهب إلى أخواله في بيت أبيه، وقف في الساحة حيث يجتمع شيوخ المدينة، وصوته خليط من الإغراء والحديد.

“أيّها الشعب، أخوالاي، انصتوا. أيهما خير لكم: أن يحكمكم سبعون رجلاً، كل أبناء جدعون، أم أن يحكمكم رجل واحد، شرط أن يكون من لحمكم ودمكم؟ تذكروا أنني عظمتكم ودمكم.”

تغلغل الكلام في آذانهم مثل السحر. ورأى الشيوخ في عينيه انعكاس مجد مفقود لمدينتهم، فراحوا يميلون إليه. ولكن المجد، كما سيكتشفون، له ثمته. فأعطوه من فضة بيت إل بريث، سبعين شاقلًا، فاستأجر بها أبيمالك رجالاً بطالين، طائشي القلب، سار معهم إلى عفرة، مدينة أبيه. وهناك، على حجر واحد، ذبح إخوته السبعين، كل أبناء جدعون الشرعيين. لم ينجُ إلا الابن الأصغر، يوثام، إذ اختبأ.

فاجتمعت شكيم كلها، رجالها وشيوخها، في ساحة المدينة عند العمود المنصوب. وكان الجو حاراً، والغبار يتطاير تحت الأقدام، وهم يعلنون أبيمالك ملكاً. ولم يكن أحد يعلم أن يوثام الصغير قد وقف على قمة جبل جرزيم المجاور، يطل عليهم من علٍ، قلبه يتمزق ألماً وغضباً على إخوته، وعلى هذه المدينة التي باركت سفك الدم.

رفع يوثام صوته، فانطلق من أعلى الجبل كنداء نبوي غريب، فالتفتت كل الوجوه إليه مذهولة.

“اسمعوا لي يا رجال شكيم، لينطق الله لكم إذا سمعتم. ذهبت الأشجار لتتملك عليها ملكاً. فقالت للزيتون: ‘املك علينا’. فأجابها الزيتون: ‘أأترك دُهني الذي به يُكرموني الله والناس، وأذهب لأتمايل على الأشجار؟’ ثم قالت الأشجار للتينة: ‘تعالي أنت واملكي علينا’. فأجابت التينة: ‘أأترك حلاوتي وثمري الطيب، وأذهب لأتمايل على الأشجار؟’ ثم قالت الأشجار للكرمة: ‘تعالي أنت واملكي علينا’. فأجابت الكرمة: ‘أأترك مسطري الذي يفرح الله والناس، وأذهب لأتمايل على الأشجار؟’

أخيراً، قالت كل الأشجار للعوسج: ‘تعال أنت واملك علينا’. فقال العوسج للأشجار: ‘إذا كنتم بالحق تمسحونني ملكاً عليكم، فهلموا واحتموا تحت ظلي. وإن لا، فلتخرج نار من العوسج وتأكل أرز لبنان!'”

ساد صمت ثقيل بعد أن انتهى صوت يوثام. ثم نظر إليهم نظرة حزينة مليئة بالعظة وقال: “فالآن، إن كنتم قد أخلصتم وأرضيتم مع أبيمالك، وإذا أحسن هو إليكم، ففرحوا به. ولكن إن لا، فلتخرج نار من أبيمالك وتأكل رجال شكيم وبيت ميلو، ولتخرج نار من رجال شكيم وبيت ميلو وتأكل أبيمالك!”. ثم هرب يوثام واختفى، تاركاً كلماته تتدلى في الهواء مثل سحب ماطرة قبل العاصفة.

وسارت الأمور في البداية وكأن الريح تحمل سفينة أبيمالك. حكم ثلاث سنوات. ولكن الله، الذي لا يغفل عن ظلم الدم البريء، أرسل روحاً رديئة بين أبيمالك وبين رجال شكيم. فبدأت النفوس تتقلب. لم تعد نظرات الشيوخ له كما كانت، بل صارت ملتوية، تتلمس الخيانة في زواياها. وخان رجال شكيم أبيمالك، ليس بالسيف أولاً، بل بالكلام والنميمة، ثم بوضع كمين للصوص على رؤوس الجبال، ينهبون كل من يمر بهم على الطريق. وأصبح الخبر علناً.

وفي تلك الأثناء، جاء رجل اسمه جعل بن عابد، ومعه إخوته، ووقف في شكيم، وأخذ يغرر برجالها. “من هو أبيمالك ومن هو شكيم حتى نخدمه؟” كان يقول، وهو يشير إلى ذاتهم. “أليس هو ابن يروubaal، وزبول نائبه؟ خدموا رجال حامور أبي شكيم. فلماذا نخدمه نحن؟” فمالت قلوب الرجال إلى جعل، وصاروا يشتمون أبيمالك سراً وجهراً.

ولما سمع زبول، نائب المدينة، بكلام جعل، اضطرم غضبه. فأرسل رسلاً سراً إلى أبيمالك في عاروما، يحذره: “ها قد أقام جعل بن عابد إخوته، وهم يثيرون شكيم عليك. فقم ليلاً أنت والشعب الذي معك، وكمن في الحقل. وفي الصباح، عند طلوع الشمس، انهض وازحف على المدينة. وهوذا هو والشعب الذين معه يخرجون إليك، فاصنع به كما تطيق يدك”.

ففعل أبيمالك ذلك. وقسم رجاله إلى أربع فرق، وكمنوا حول شكيم. فلما خرج جعل ووقف عند باب المدينة ليستطلع، سمع أبيمالك وصوت فرقه تتحرك من مخابئها. فقال جعل لزبول: “هوذا قوم نازلون من رؤوس الجبال”. فأجابه زبول بسخرية مريرة: “أنت ترى ظل الجبال كأنه رجال!”. لكن جعل أصر: “هوذا قوم نازلون من سرّة الأرض، وفرقة واحدة آتية من طريق بلوطة العرافين”.

حينئذ صرخ زبول في وجهه: “أين الآن فخرك الذي قلتَ: من هو أبيمالك حتى نخدمه؟ أليس هذا الشعب الذي احتقرته؟ فاخرج الآن وحاربه!”. فخرج جعل أمام رجال شكيم وحارب أبيمالك، فهزمه وطرده، وسقط جرحى كثيرون حتى عند باب المدينة. وأقام أبيمالك في عاروما، وطرد زبول جعل وإخوته من شكيم، فلم يسمح لهم بعد بالسكن فيها.

وفي اليوم التالي، خرج الشعب إلى الحقل فأخبر أبيمالك. فأخذ رجاله وقطعوا أغصان الشجر، ووضعوها على الحصن الذي في شكيم وأحرقوها. فمات جميع من كان في برج شكيم، نحو ألف رجل وامرأة.

ثم سار أبيمالك إلى ثابث وحاصرها وافتتحها. وكان في وسط المدينة برج حصين، فالتجأ إليه كل رجال المدينة ونساؤها، وأغلقوا الباب وصعدوا إلى سطح البرج. فجاء أبيمالك إلى البرج وحاربه، واقترب من الباب ليوقد عليه ناراً. وإذا بامرأة من سكان البرج رمت رحى طاحونة على رأس أبيمالك ففسخت جمجمته. فدعا بسرعة الفتى حامل سلاحه وقال له: “اجتز سيفك واقتلني لئلا يقال عني: امرأة قتلته”. فطعنه الفتى فمات.

فلما رأى رجال إسرائيل أن أبيمالك قد مات، مضى كل واحد إلى مكانه. وهكرد جعل الله شر أبيمالك الذي صنع إلى أبيه، بقتله إخوته السبعين. وجعل الله كل شر رجال شكيم يرتد على رؤوسهم. وجاءت عليهم لعنة يوثام بن يروubaal.

وبقي حجر الطاحونة، الذي رمته يد امرأة، شاهدا صامتا في سفح البرج، تذكاراً لأن النار التي تخرج من العوسج لا تحرق الأرز وحده، بل تعود لتحرق من أوقدها أولاً. وسكنت شكيم مرة أخرى، ولكنها لم تنس أبداً رائحة الدخان والدم، وتلك الملكية التي اشتروها بسبعين شاقلاً من فضة، ودفعوا ثمناً لها بدماء لا تحصى.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *