الكتاب المقدس

دموع عزرا على أرض المقدسة

كان الجوّ ثقيلاً في أورشليم ذلك اليوم، كأنّ السماء نفسها حَنتْ تحت ثقلٍ لا تراه العيون. كان عزرا الكاتب قد أنهى رحلته الطويلة من بابل، وقد حمل في قلبه ناراً من الشوق ليرى المدينة، ويرى البيت. لكن ما سمعه بعد وصوله بوقت قصير، جعل حجارة السور العتيق تبدو له كأنها تنهار واحدةً واحدة.

جاءه الرجال، بعض الشيوخ، وأخبروه بصوتٍ خفيض، متردد، كمن يقدم جرعة سمّ في كأس من ذهب. “الشعبُ، والكهنة، واللاويون، لم يفصلوا أنفسهم من شعوب الأرض… بل أخذوا بناتهم لأنفسهم ولِبنِيهم، واختلط الزرع المقدس بشعوب البلاد”. لم تكن الكلمات صرخة، بل كانت همسة ثقيلة، سكنت في أذنيه ثم نزلت كالصخر إلى أعماق قلبه.

تركهم عزرا ودخل إلى غرفة صغيرة في المبنى قرب الهيكل. كان ضوء النهار الأخير يتسلل من نافذة ضيقة، يُظهر ذرات الغبار وهي تتراقص في صمتٍ مهيب. سمع من بعيد صوت أطفال يلعبون في الساحة، ضحكاتهم البريئة كسكاكين في جنبات روحه. كيف تضحك الأرض والسماء مكتوفة الأيدي؟ مزّق ثوبه رداءه الخارجي، ثم جذب طرف رداءه الداخلي فمزّقه أيضاً. انتزع من رأسه شعر رأسه ولحيته، تلك التي اعتنى بها كعلامة على النذير خلال الرحلة. ثم جلس على الأرض، على التراب البارد، وجثا على ركبتيه.

لم تكن الصلاة في البدء كلمات. كانت حشرجة في الحلق، وزفيراً حارقاً يخرج من أعماق الأحشاء. كان يشعر كأنّ كل خطية الشعب، كل هذا الخيانة للعهد، كل هذا الذل الذي عانوه من جراء أبائهم، قد أُلقيت على كتفيه هو. رأى بعين قلبه تلك السنوات السبعين في السبي، دموع الأنهار على أرض غريبة، صلاة المزامير: “هناك جلسنا وبكينا”. كل ذلك العذاب، كل ذلك الانتظار، من أجل هذه اللحظة؟ من أجل أن يعودوا ويسقطوا في نفس الحفرة؟

رفع كفّيه، كانتا ترتعشان. كانت رائحة التراب الرطب تملأ أنفه. “يا إلهي، خزيتُ وخجلتُ أن أرفعَ يا إلهي وجهي نحوك”. بدأت الكلمات تخرج مُتكسرة. كان يتحدث إلى الله، لكنه كان يشهد على نفسه أولاً، يشهد على ذنبه هو كجزء من هذا الشعب المنكسر. “لأن آثامنا قد كثرت فوق رؤوسنا، وذنوبنا تعالت حتى إلى السماء”. نظر إلى النافذة، كان الظلام يزداد، وكأن خطاياهم حجبت النور نفسه.

“منذ أيام آبائنا نحن في ذنب عظيم… وبسبب آثامنا دُفعنا نحن وملوكنا وكهنتنا ليد ملوك الأرض، للسيف والسبي والنهار و للخزي، كما هو هذا اليوم”. صوته غاص في الهمس، كأنه يحكي قصة ألم قديم لم يندمل جرحه. تذكر قصص الشيوخ عن سقوط المدينة، عن صراخ الأمهات، عن وهج النيران التي التهمت قدس الأقداس. والآن، بعد كل هذا، يعودون ليسلموا قلعة الروح من الداخل؟ ليسلموا البيت إلى الغرباء؟

“والآن، بعد ما جاءنا رحمة من عندك… أفنتعصى وصاياك مرة أخرى ونصاهر شعب رجاسات هؤلاء؟” سأل، والسؤال كان استنكاراً لذاته قبل كل شيء. “أفلا تسخط علينا حتى تفنينا ولا يتبقى ولا يُنقذ أحد؟” في صوته لم يكن خوفاً من العقاب بقدر ما كان ألماً من احتمال أن تصير الرحمة العظيمة، العودة المعجزة، بلا معنى. كأنهم أهانوا الهدية بعد أن مُنحت لهم.

ظلّ جاثياً هناك، ساعات طويلة. ملابسه الممزقة تلامس الأرض الباردة. دموعه لم تكن دفقاً عاطفياً، بل كانت نديّة ثقيلة، بطيئة، تسيل على لحيته الممزوعة وتختلط بتراب الأرض المقدسة. كان ينوح وينوح، ليس نيابة عنهم فحسب، بل *معهم*. كان في صمته المرتفع كالصلاة، صوت بكاء أمة بأكملها.

حتى أقبل وقت التقدمة المسائية. خارج الغرفة، بدأ اللاويون يستعدون، سمع وقع أقدامهم الخفيفة. لكنه لم يتحرك. بدأت رائحة البخور الطيبة تتسرب من تحت الباب. رائحة التكريس، رائحة الغفران. فانفجر في بكاء عالٍ، طرح بنفسه على الأرض أمام بيت الله. تجمهر حوله رجال ونساء، جمع كثير من إسرائيل، رجال ونساء وأطفال، باكين بنفس البكاء المر. كان بكاؤه قد فتح سدود قلوبهم، فانهمرت اعترافاتهم، وصرخات توبتهم تملأ المكان.

ووقف هناك شكنيا بن يحيل، واحد من بين الجمع، وقال بصوتٍ رطبٍ من الدموع: “قم، الأمر علينا… فَقُمْ وكَلَّمْنَا، ونحن معك. تشدد واعمل”. كانت كلمة رجاء في ظلمة اليأس. كلمة تذكّر بأنّ الله حتى في منتصف الدينونة، يفتح باباً للرجوع.

نهض عزرا من الأرض، ثيابه ممزقة، عينانه محمرتان، لكن في صوته حل شيء من صلابة الرجاء. أخذ يقسم الشيوخ ورؤساء الكهنة واللاويين على أن يفعلوا كالشريعة. وأن يَفصلُوا كل الأجنبيات وأولادهن من الشعب.

كان الطريق طويلاً أمامهم. ولكن تلك الساعات التي قضاها جاثياً على التراب، تائهاً بين ذاكرة النعمة ومرارة الخطيئة، كانت قد رسمت طريق العودة. ليس فقط بفعل القانون، بل بقلب منكسر، وبصلاة ارتفعت من أعماق التراب البارد في غرفة متواضعة، لتلامس عرش النعمة.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *