كان الشيخ إيلياب يجلس على صخرة عالية تُطلّ على مساحات الصحراء الممتدة، حيث يحمرّ الأفق أخيراً بعد نهار طويل حارق. كانت يداه المتجّرّتان تمسكان بعصا الرعاية القديمة، وعيناه الغائرتان تنظران إلى قطعان ماعزه وهي تتحرك ببطء نحو مكان الري. كان هُدوء المساء مخادعاً؛ ففي صدر الشيخ عاصفة.
لقد مرت أشهر منذ أن غادر أبناؤه، منذ أن تخلى عنه أقرباؤه طمعاً في ميراث أبيه. تذكر كيف كانوا يأتون إليه، ووجوههم ملأى بالابتسامات المزيّفة، وكلماتهم رقيقة كالحرير لكن قلوبهم صلبة كحجارة الوادي. كانوا يطلبون القروض، يطلبون النصائح، ثم يختفون حين احتاج هو إلى سند. تركوه وحيداً مع ذكرياته وأغنامه وربّه.
نظر إلى السماء التي بدأت تتزيّن بنجوم الليل الأولى. قال في نفسه: “لله وحده يسكن نفسي سكوناً تاماً. منه خلاصي”. كانت الكلمات تتردد في داخله كصدى قديم، كأنشودة تعلمها من والده، الذي تعلمها من والده. لكنها في هذه اللحظة، تحت هذا الخواء الصحراوي الشاسع، لم تكن مجرد كلمات. لقد كانت حقيقة يلمسها بكل جراحه.
تذكر يوماً جاء فيه رجال من المدينة، يلبسون الثياب الفاخرة، يتكلمون عن الصفقات والعقارات والفرص الذهبية. وعده أحدهم بثروة إن هو استثمر معه في تجارة القوافل. قال له الآخر إنه سيضمن له منصباً مؤثراً بين شيوخ القبائل. كل وعود زائفة، كبناء قصر على رمال متحركة. كم كان غبياً، في تلك الأيام، أن يضع ثقته في ومضات عيونهم الذكية، وفي أقوالهم المنمقة. لقد تحطم كل شيء. وخسر الكثير.
رفع وجهه نحو الأعالي. “إلى متى تريدون اقتحام إنسان؟ تكسروه جميعاً كجدار منحدر، كسور آيل للسقوط”. همس بهذه الكلمات، وكأنه يخاطب أولئك الظلال من ماضيه. لقد حاولوا كسره، نعم. حاولوا أن يجعلوه كالسور الذي ينهار تحت وطأة الحصار. لكنهم فشلوا. لأن أساسه لم يكن منهم.
سمع صوت نعجة صغيرة تبحث عن أمها. قام ببطء، وساعدها على العثور على طريقها. حركته هذه أشعلت في ذاكرته شرارة أخرى: “إنما الله هو صخرتي وخلاصي. حصني، فلا أتزعزع كثيراً”. كم مرة، في ليالي الوحدة هذه، شعر بأن الأرض تتزعزع تحت قدميه؟ كم مرة سأل نفسه: ما فائدة كل هذا الكفاح؟ لكن شيئاً ما، كصخرة ضخمة في أعماق روحه، كان يثبته. كان إيمانا غريزياً، صلابة موروثة، معرفة داخلية بأن هناك من هو أقوى من كل هذه العواصف.
جلس مرة أخرى، وأخذ يشاهد النار التي أوقدها أحد المساعدين تتصاعد إلى السماء. الفقراء والأغنياء، أمام النار هذه، سواسية. الجميع يحتاج إلى دفئها. كذلك هو الحال مع الله. “لا تتكلوا على الظلم، ولا على الخطف تعسوا. إن تفاخرت الثروة، فلا تعلقوا قلبكم عليها”. لقد تعلم هذا الدرس بمرارة. رأى الأغنياء في المدينة، كيف تزيد ثرواتهم وكيف تزداد قلوبهم قسوة. ورأى الفقراء، كيف يحسدون ويتهاوون في حفرة الحقد. كلاهما ضلّ الطريق. الثروة والحقد، كلاهما سراب.
سحب من جرابه قطعة خبز يابسة وجبناً مملحاً. أكل في صمت، وهو يستمع إلى حفيف الريح في الشجيرات القريبة. ثم، كأن الريح نفسها تحمل رسالة، تذكر ما تبقى من الأنشودة: “مرة تكلم الله. مرتين سمعت هذا: أن القوة لله”. تكلم الله مرة، في خلقه العظيم، في شريعته التي نزلت على الجبل. وسمع هو مرتين: مرة عندما كان شاباً مفتوح العينين، ومرة الآن، وهو شيخ منهوك ولكن قلبه أنقى.
فهم أخيراً. كل القوة التي رآها في البشر، كل الجبروت والمال والنفوذ، هي ظل باهت. القوة الحقيقية، التي تخلق الكون وتربي النسمة في فم المولود، هي لله وحده. والنعمة، نعمة الرحمة والغفران، هي منه أيضاً. هو الذي يثيب كل إنسان حسب عمله، لا حسب ثروته أو قوته الظاهرية.
انتهى من طعامه، ووضع رأسه على حجر ملساء. نظر إلى النجوم التي صارت الآن لا تُحصى، تلتمع في صمت مهيب. في هذا الصمت، وجد أخيراً السلام الذي طالما بحث عنه في ضجيج العالم. “لله وحده يسكن نفسي سكوناً تاماً”. هذه المرة، قالها بصوت مسموع، خشن وحنون. صوت راعٍ عجوز وجد مرعاه الأخير، ليس في أرض خصبة، بل في يقين لا يتزعزع.
نام الشيخ إيلياب، وفي صدره هدوء الوادي العميق، بينما احتضنت السماء الصحراء، وصمت الليل على كل شيء، إلا على صوت حفيف أبدي، كأنه نفس الخالق، يهب على الأرض ويقول: أنا هنا.




