الكتاب المقدس

عود النهر إلى مجراه

كان الجوّ غبارياً ذلك المساء، وهو الغبار الذي يعلو وجوه العائدين من الحقول، فيمتزج بعرق الجباه وينزل مع ماء الوضوء الأول. وقف زكريا عند عتبة بيته الطيني، مستنداً على عصاه، ونظر إلى الأفق حيث تلاشت آخر خطوط الشمس الذهبية خلف تلال بيت لحم. في صدره شيء يشبه الوجع، ولكنه وجعٌ حلو. تذكّر.

تذكّر سنوات السبي، سنوات كان فيها الصوت يختنق في الحلق، وكانت الأغاني تُغَنَّى بصوت خفيض، كأنها أسرارٌ أو خطايا. كانت أيادي أبنائه، الآن وقد شبّوا، يومها صغيرة ومرتعشة تمسك بثيابه وهو يُقاد مع القافلة. وكانت عينا راحيل زوجته، العينان الواسعتان كبحر الجليل في الهدوء، يومها تبدوان كبئرين جفّتا. كانوا مثل الحالمين. يغلقون أعينهم في الليل ويُصغون إلى حفيف النخيل في رياح بابل، فيتوهمونه حفيف سعف النخيل في أريحا.

لكن الآن، ها هو واقفٌ هنا. والتراب الذي تحت قدميه هو تراب أجداده. تنهّد زكريا تنهيدة طويلة، اخترقت صمته سنواته السبعين. جاءته راحيل من الداخل، وقد علت على كفيها آثار العجين. نظرت إليه، فلم تقل شيئاً. لقد عرفت نظراته. جلست بجانبه على المقعد الحجري البارد، ونظرت معه إلى الحقول الممتدة.

“هل تتذكرين، يا راحيل، يوم رأينا القدس أول مرة بعد العودة؟” قال بصوت أجشّ.

ابتسمت، وكان في ابتسامتها كل دفء التاريخ. “كنتَ تبكي كطفل. وكنت أنا أخجل منك قليلاً.”

“كانت الدموع تأتي من مكان عميق، لم أكن أعرفه في داخلي. كأنما القلب الذي جفّ طوال تلك السنين، فجأة انفتح له سدّ، فلم يعد يحتمل.”

كان ذلك اليوم أشبه بالحلم. مشوا في الطرقات المهدمة، بين الحجارة السوداء من حريق قديم، ورأوا الهيكل – أو ما تبقى منه – ككبيرٍ جريحٍ منحني الظهر. لكن الهواء كان مختلفاً. كان هواء الجبال، حاداً ومنعشاً، يحمل في ثناياه عبق الزعتر البري وصدى صلواتٍ قديمة. وبدأ الناس يجتمعون، خائفين أول الأمر، ثم تنداح الابتسامات، ثم تتحول إلى ضحكات مكتومة، ثم إلى هتافات. وكانت الأيدي ترفع، والأصوات ترتفع بالشكر، حتى بدا للغرباء أن هؤلاء القوم قد جنّوا من الفرح.

“كانوا يقولون: ‘عظيمٌ صنع الربّ بهم’،” همست راحيل.
“وكانوا يقولون: ‘عظيمٌ صنع الربّ بنا’،” صحّح زكريا بلطف. “كان الكلام يخرج من أفواهنا، ونحن لا نصدق أنه لنا. كلمات الفرح تحتاج إلى تمرين، مثل لغة نسيناها.”

دخل الشابان، إيليا ويوناثان، ابنا زكريا. كانت أكمام قمصانهما مرفوعة، وعلى وجنتيهما وسهادتهما آثار الطين والشمس. حملا معهما رائحة الأرض والماء. نظر إيليا إلى والده، ثم إلى الحقول التي بدأت تضيع معالمها في الظلام.

“زرعنا اليوم القطعة الأخيرة قرب البئر القديمة، يا أبي. كانت الأرض قاسية، مليئة بالحجارة. ولكن بين الحجارة، وجدنا جذور شجرة تين قديمة، لا تزال حية.”

كانت هذه هي العجائب الصغيرة التي كانت تمتلئ بها أيامهم. جذورٌ حية تحت الركام. ينابيع ماء عذبة تتفجر في مكانٍ ظنوه جافاً. ابتسامة طفل وُلد هنا، في أرض لم يعرفها أهله إلا من خلال حكايات المنفى. كانوا كالحالمين، نعم، ولكن حلمهم هذا كان يترك بذوراً في التربة، كان يبني جداراً حجراً حجراً، كان يملأ الجرار زيتاً ودقيقاً.

“الغداء جاهز،” قالت راحيل، وقامت إلى الداخل. تبعها الرجال. حول المائدة الخشبية، تحت ضوء مصباح الزيت المتمايل، بدا كل شيء مقدساً. الرغيف الدافئ. زيت الزيتون الأخضر. وعاء العدس الذي يبعث بخاراً كالبخور. وقبل أن يبدأوا، أمسك زكريا بكفيه، ورفع عينيه. كانت صلاته قصيرة، ولكنها كانت ثقيلة كالندى: “أشكرك أيها الرب، لأنك حولت نوحنا إلى رقصة، وجعلت دموعنا سقياً لأرضنا. أمّن لنا غلّتنا، كما وعدت.”

أكلوا في صمت، ولكن الصمت كان مليئاً. كان يوناثان يفكر في الفتاة التي رآها عند الجسر، ابنة الحارس. كان إيليا يحسب في ذهنه عدد الأيام حتى ينضج القمح في القطعة التي زرعوها. وكان زكريا يتأمل وجه زوجته في ضوء الخافت، فيرى فيها كل السنوات: سنوات الجفاف، وسنوات النهر الذي أعادهم.

بعد العشاء، خرج زكريا وحده إلى الكرم الصغير خلف البيت. النجوم بدأت تنتشر في السماء كرذاذ من نور. سمع من بعيد صوتاً يغني. كان صوت جارهم، الشيخ حناني، الذي فقد ثلاثة من أبنائه في السبي، وكان يغني أغنية قديمة، بسيطة، عن كرمة وعناقيد. كان الصوت متهدجاً، أحياناً يعلو وأحياناً يكاد ينقطع، ثم يعود كما يعود النبض إلى القلب.

في تلك اللحظة، أدرك زكريا معنى الكلمات التي كانت تدور في رأسه منذ أشهر، الكلمات التي حفظها من مرتل الهيكل: “حين ردّ الربّ سبايا صهيون، كنا كالحالمين. حينئذ امتلأت أفواهنا ضحكاً، وألسنتنا ترنّماً.” لم يكن الحلم انفصالاً عن الواقع، بل كان رؤية أعمق له. كانوا في السبي مستيقظين، ولكنهم كانوا أمواتاً. وها هم هنا، يحلمون، وهم أحياء أكثر من أي وقت. والضحك الذي امتلأت به أفواههم لم يكن ضحك فرحٍ عابر، بل كان الصوت العميق للحياة التي تعود من الموت، كنبتة صبر تنبت من بين الصخور الجرداء.

رفع عينيه إلى النجوم، وشعر بغبطةٍ هادئة تغمره. كان يعلم أن التحديات ما زالت قائمة: الجدران ما تزال منخفضة، والعدو لا يزال يتربص، والقلوب ما تزال تحمل ندوباً غائرة. لكن شيئاً ما تحوّل. لقد عاد النهر إلى مجراه. وعندما يعود النهر، حتى لو كان ضعيفاً في البداية، فهو يحمل في جريانه وعداً بالموسم الجديد، بالخصب، بالحياة التي لا تنقطع.

عاد إلى البيت. كانت راحيل تنتظره عند الباب، تمسك بغطاء صوفيّ. “قد يبرد الليل،” قالت، وهي تلفّه على كتفيه. قبل جبينها، وشعر بدفء يدها على خده. في غرفة الداخل، سمع أنيناً خفيفاً. كان حفيده الصغير، ابن إيليا، قد استيقظ من نومه. دخل زكريا الغرفة الصغيرة، ورأى الطفل يفتح عينيه في الظلام. حمله بين ذراعيه، وهزّه بلطف. كان جسم الطفل الصغير دافئاً وناعماً، كبرعم رمان. همس في أذنه: “عُدنا، يا صغيري. عدنا إلى البيت.”

وكان في صوته، وهو يهمس بهذه الكلمات البسيطة، كلّ ترانيم صهيون، وكل دموع السبي، وكل وعود الربّ التي لا تُخزى. خارجاً، هبّت نسمة لطيفة حرّكت أغصان الكرمة، حاملةً معها رائحة الأرض المرويّة، ورائحة الأمل الذي صار، فجأة، شيئاً ملموساً كرغيف الخبز، وحقيقياً كبكاء طفل، وجميلاً كالنجوم التي تزين سماء أرض الميعاد.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *