كان النهار يفترق عن جنح الليل، وتنساب خيوط الضباب الرقيقة بين أزقة أورشليم، حين بدأ الصوت يعلو. لم يكن كأصوات الباعة الذين يفرشون بضائعهم مع أولى نبضات الفجر، ولا كصراخ الأطفال المتسابقين إلى مياه النبع. كان نداءً غريباً، رخيماً، كأنه يأتي من مكانٍ قريبٍ جداً، ومن مكانٍ بعيدٍ جداً، في الوقت نفسه.
كان حنظلة، شيخٌ تجاوز الستين، يجلس على عتبة دكانه الضيق، يعدّ أواني الفخار التي جاءت بها القوافل. توقفت يداه عن العد. رفع رأسه، وأصغى. جاء الصوت واضحاً هذه المرة:
“أَلَيْسَ الْحِكْمَةُ تُنَادِي، وَالْفَهْمُ يَرْفَعُ صَوْتَهُ؟”
نظر حوله. رأى صبياناً يحملون جراراً، وامرأةً تستنجد ببائع القماش لتنزل عن سعر شبر من الكتان. لم يبدُ أن أحداً سواه يسمع. ربما كان التعب. ربما كان زملة السنين تثقل على سمعه. عاد إلى عدّ الأواني. لكن النداء عاد، أقوى، كأنه ينبعث من حجارة السوق نفسها، من ضجيج الحاضرين، من صمت الزوايا المنسية:
“عَلَى رُءُوسِ الشَّوَاهِقِ أَقِفُ، فِي مَفَارِقِ الطُّرُقِ بَيْنَ السُّبُلِ. إِلَى جَانِبِ الْبُيُوتِ أُنَادِي، عِنْدَ مَدَاخِلِ الْأَبْوَابِ.”
قام حنظلة متململاً. ترك دكانه وخرج إلى السوق الرئيسي. كان الهواء لا يزال نديّاً ببرد الليل، ورائحة الخبز الطازج تفوح من الأفران. سار باتجاه البوابة، حيث تتلاقى الطرق الآتية من حقول الزيتون، ومن برية اليهودية، ومن طريق البحر الكبير. وهناك، عند حافة الطريق، حيث يضع المسافرون المتعب أحمالهم ليرتاحوا، شعر بحضورٍ غامر. لم يرَ شخصاً، لكنه سمع الكلمات كأنها تُنقش مباشرة على قلبه:
“لَكُمْ أُنَادِي يَا بَنِي آدَمَ، أَصْوِتُ إِلَى أَبْنَاءِ الْبَشَرِ. افْهَمُوا التَّدْبِيرَ يَا جُهَّالَ، وَيَا حَمْقَى اعْقِلُوا قَلْباً.”
تذكر حنظلة حياته كلها. ستون عاماً من الكدّ، من جمع الفلوس، من المناورة لشراء أرخص البضائع وبيعها بأغلى الأثمان. من الخوف من الفقر، من حسد الجار، من القلق على الغد. أكانت هذه حياة؟ أكان هذا هو المطلوب من إنسانٍ رُزق نعمة العقل والروح؟ جلس على حجرٍ كبيرٍ مهجور، ووضع رأسه بين كفيه. وانهمرت الكلمات عليه كغيثٍ منعش:
“لأَنَّ فَمِّي يَنْطِقُ بِالصِّدْقِ، وَشَفَتَايَ مُكْرَهَةٌ إِثْمٌ. بِالْحَقِّ تَكَلَّمُ كُلُّ كَلِمَاتِ فَمِّي، لَيْسَ فِيهَا عِوَجٌ وَلَا اعْوِجَاجٌ. كُلُّهَا وَاضِحَةٌ لِلْمُتَعَقِّلِ، وَمُسْتَقِيمَةٌ لِلمُتَعَلِّمِينَ. خُذُوا تَأْدِيبِي وَلاَ فِضَّةَ، وَمَعْرِفَةً أَكْثَرَ مِنَ الذَّهَبِ الإِبْرِيزِ.”
شعر بحرارةٍ غريبةٍ تملأ صدره. كانت كالنور. ليست كضوء الشمس الذي يحرق، بل كضوء القمر الهادئ الذي يملأ كل ركن دون أن يجرح العين. أدرك فجأة أن كل ما سعى إليه، كل الكنوز التي راكمها في صندوق خشبي تحت فراشه، كانت ثقلاً لا قيمة له. كانت كالحجارة المزيفة التي يلعب بها الأطفال، بينما كان الذهب الحقيقي، المجوهرات التي لا تفنى، هنا، في هذا النداء الغريب.
“أَنَا الْحِكْمَةُ، أُقِيمُ الْفِطْنَةَ، وَمَعْرِفَةُ التَّدَابِيرِ مِنِّي. بِي يَمْلِكُ الْمُلُوكُ وَيَضَعُونَ أَحْكَامَ عَدْلٍ. بِي تَرْأَسُ الرُّؤَسَاءُ وَالْعُظَمَاءُ، جَمِيعُ قُضَاةِ الأَرْضِ.”
نظر حنظلة إلى المدينة تستيقظ. رأى الحارس الروماني يتجول ببطء فوق السور. رأى رئيس العشارين يجلس على كرسيه عند مدخل المدينة، يحصي الجزية. رأى قاضياً من قضاة إسرائيل يمرّ محمولاً على محفة، ينظر إلى الناس من علٍ. تساءل: أيُّهم سعيد؟ أيُّهم يعرف الطريق؟ هل الملك الذي يخاف على عرشه أسعد من هذا البائع المتواضع الذي يجلس هنا الآن، ويسمع لربما أول مرة في حياته صوت ما هو أبقى من الذهب، وأحلى من العسل؟
“مَحَبَّةً أُحِبُّ الْمُحِبِّينَنِي، وَالَّذِينَ يُبَكِّرُونَ إِلَيَّ يَجِدُونَنِي. عِنْدِي الْغِنَى وَالْكَرَامَةُ، قُنْيَةٌ مُزْكَاةٌ وَبِرٌّ. ثَمَرِي أَطْيَبُ مِنَ الذَّهَبِ وَمِنَ الإِبْرِيزِ، وَرِبْحِي أَفْضَلُ مِنَ الْفِضَّةِ الْمُخْتَارَةِ.”
بدأت الشمس تعلو، وتناثر الضباب. عادت أصوات السوق إلى أذنيه، لكنها لم تعد كما كانت. كانت كضوضاء سطحية تغطي لحناً عميقاً وسارياً. نهض حنظلة، واتجه إلى دكانه. لكن خطواته كانت مختلفة. كان ظهره أكثر استقامة، وكأن حملاً ثقيلاً قد أزيح عنه.
عاد إلى كومة الأواني الفخارية. نظر إليها. كانت هي نفسها، لكن عينيه لم تعودا نفس العينين. أخذ جرّةً بسيطةً، من تلك التي يشتريها الفقراء لتخزين الماء. مسح عنها الغبار براحة يده، ورأى فيها، لأول مرة، جمال الصنعة، وتواضع المادة، ونعمة الاستعمال. رأى فيها شيئاً من النظام الذي تحدث عنه ذلك الصوت. النظام الذي وُضع في الكون منذ البداية.
“الرَّبُّ قَنَانِي أَوَّلَ طَرِيقِهِ، مِنْ قَبْلِ أَعْمَالِهِ، مُنْذُ الْقِدَمِ. مُنْذُ الأَزَلِ مُسِحْتُ، مُنْذُ الْبَدْءِ، مُنْذُ أَوَائِلِ الأَرْضِ. لَمَّا ثَبَّتَ السَّمَاوَاتِ كُنْتُ هُنَاكَ أَنَا. لَمَّا رَسَمَ دَائِرَةَ عَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ، لَمَّا ثَبَّتَ السُّحُبَ مِنْ فَوْقُ، لَمَّا شَدَّدَ يَنَابِيعَ الْغَمْرِ، لَمَّا وَضَعَ لِلْبَحْرِ حَدَّهُ…”
كان يمسح الجرة وهو يردد في سره هذه الكلمات. فجأة، أدرك أن الحكمة التي كانت تنادي في السوق ليست مجرد نصائح جيدة لحياة ناجحة. إنها شيء أقدم من العالم، شيء كان حاضراً حين نطق الرب فكانت السماوات، وحين أرسى الأرض على قواعدها. إنها النظام الجميل، والمعنى الكامن وراء كل شيء. إنها صوت الخالق نفسه، يبحث عن أبنائه الضائعين بين أزقة حياتهم الضيقة.
لم يعد حنظلة تاجر فخارٍ عجوز فقط. في تلك اللحظة، وهو جالس في زاوية سوق أورشليم المليء بالغبار والضوضاء، شعر أنه جالسٌ في قلب الخليقة كلها، يسمع النغمة السرية التي تجعل من الفوضى نظاماً، ومن العبث معنى.
أطبق بيديه على الجرة الفخارية البسيطة. شعر بالطين الجاف تحت أنامله. وابتسم. لقد وجد الكنز.




