الكتاب المقدس

حكمة تحت شمس واحدة

كان النهار يلفظ أنفاسه الأخيرة فوق القرية، والغبار الذهبي للغروب يتخلل أوراق أشجار التين القديمة عند مدخل البيت. جلس حنا على مقعد من حجر، كفاه المتشققتان تبدوان كخريطة حياة طويلة. تذكر كيف كان، في صباه، يعدو خلف الريح، يحلم كأن الأبد ممتد أمامه. والآن، في شيبه، صار يعرف أن الشمس التي ترحل ستأتي على قرية الأبرار والأشرار بسواء.

من الكوخ المتواضع، حيث يعيش مع زوجته ليلى، كانت رائحة الخبز الشعير تفوح. رائحة بسيطة، دافئة، تذكرته بأن الحياة، في جوهرها، هي هذه اللحظات الصغيرة: رغيف خبز، نظرة حب، جرعة ماء باردة. تذكر الآية التي كان الكاهن قد قرأها ذات سبت: “لأن كل شيء كما للصديقين كذلك للخطاة”. نظر نحو بيت نعمان التاجر، القصر الشامخ في أطراف القرية. رأى الخدم يسرعون، يحملون الأطعمة الفاخرة في أطباق فضية. وسمع، من بعيد، أصداء الوليمة وضربات الدفوف. نعمان، الذي جمع ثروته بحكمة تارة وبمكر تارة، سيستمتع بثروته هذه الليلة. وحنا، الذي قضى عمره يفلح الأرض بصدق، سيأكل خبزه البسيط. لكنهما معاً يشتركان في شيء واحد لا مفر منه: نفس الهواء الذي يتنفسانه الآن، ونفس الظلام الذي سيلفهما لاحقاً.

في الصباح التالي، بينما كان حنا يسقي بضع أغنامه عند النبع، شاهد حادثة جعلت قلبه يتقطع. جماعة من المسافرين، غرباء عن القرية، مروا بجوار حقل نعمان. كان ثور نعمان الهائج قد خرج من حظيرته، وبدأ يهاجم أحد المسافرين. صاح الرجل مستغيثاً، ولكن سرعة بديهة أحد الغرباء، الذي كان أقلهم مالاً وأشعثهم ثياباً، أنقذ الموقف. التقط الرجل الفقير عصا غليظة وتمكن، بحنكة مذهلة، من تهدئة الثور وإرجاعه. كان حكمة ذلك الرجل الفقير هي التي منعت مأساة. لكن نعمان، عندما سمع بالخبر، لم يرسل سوى قطعة فضية صغيرة للرجل الغريب، بينما واصل هو تجهيز وليمة لاصدقائه من علية القوم. نسي اسم الرجل الحكيم فوراً. تأمل حنا في الأمر: “الحكمة خير من القوة، لكن حكمة الفقير تحتقر ولا تذكر كلماته”.

مرت الأيام. وذات ظهيرة، بينما كانت السحب السوداء تجتمع فوق التلال، سمع القرية كلها ضجة. لصوص من بدو الصحراء هاجموا قافلة نعمان العائدة من صور. كان نعمان قد جهزها بكل عناية: حراس أقوياء، أسلحة حديثة، خطط محكمة. ولكنه نسي أمراً واحداً: المطر. هطل المطر بغزارة غير متوقعة، حول الأرض حول القافلة إلى مستنقع، عطل عجلات المركبات الثقيلة، وجعل أسلحة الحراس عديمة الفائدة. نجح اللصوص، وهم على خيولهم الخفيفة، في النهب بسهولة. خطط نعمان كل شيء بحكمة بشرية، ولكن “الزمان والصدفية يعترضان الجميع”. وقف حنا يرى الدخان يتصاعد من مكان الهجوم، وشعر بالعجز نفسه الذي يشعر به الغني أمام المصير المفاجئ.

عادت ليلى من السوق ذات يوم، وعيناها تلمعان بحماسة نادرة. “سمعت أن الملك في السامرة يبحث عن حكماء لتقديم المشورة في شأن القنوات المائية. يا حنا، أنت تعرف كل شيء عن المياه والتربة! لماذا لا تذهب؟ قد تكافأ بذهب وفضة!” نظر إليها حنا نظرة حانية مليئة بفهم عميق. أمسك بكفها الخشن. “يا ليلى، القلب الحكيم يعرف أن الأقدار كالشباك. قد أذهب وأقدم النصيحة التي تنقذ المدينة، ويأخذ المجد جاهل وقع كلامه على هوى الملك. أو قد أبقى هنا، فأموت تحت شجرتي التين غداً وقد نفذ وقتي. البركة ليست في المجد، بل في أن تأكل خبزك بفرح، وتشرب نبيذك بقلب طيب، في القليل الذي وهبك الرب تحت الشمس.”

وفي ذات مساء، بينما كان يحمل حزمة حطب صغيرة لإشعال الموقد، رأى مجموعة من الشباب في ساحة القرية. كانوا يخططون لرحلة تجارية جريئة إلى مصر. أصغى إلى أحلامهم الكبيرة، وخططهم المعقدة، وثقتهم التي لا تعرف حدوداً. تذكر شبابه. تذكر كيف خطط هو ورفاقه لبناء سد يحمي القرية من الفيضان. كم كرسوا من الوقت والجهد! ثم جاءت عاصفة لم يشهدوا مثلها، وجرفت السد كأنه بني من قش. ابتسم ابتسامة حزينة. لم يقل لهم شيئاً. فالكلمات لا تثني الشباب عن حلمهم. “إن السفن تشق عباب البحر بالعواصف، والسعي وراء الرزق يشق قلب الإنسان بالآمال. والجميع، سواء من يبحر أو من يبقى، سيعود إلى التراب.”

وفي الليلة التي مات فيها حنا، كان هادئاً. نظر من نافذة كوخه الصغير إلى النجوم المتلألئة. سمع من بعيد صوت ضحك من بيت نعمان، حيث كانت الوليمة قائمة. ورأى نور مصباح ضعيف من كوخ الراعي الفقير في التلة المقابلة. تنهد تنهيدة طويلة عميقة. لم يكن فيها مرارة، بل قبول. قبول بسر الحياة الغامض، الذي نعيشه جميعاً تحت هذه الشمس ذاتها. قبول بأن المحبة والعمل هما كل ما نملك في هذه الرحلة القصيرة، قبل أن نذهب إلى حيث “لا عمل ولا اختراع ولا معرفة ولا حكمة”. أغمض عينيه على صوت زوجته ليلى وهي تهمس بصلاة الشكر على يوم آخر عاشاه معاً. وكانت هذه، في النهاية، الحكمة الحقيقية التي فهمها قلبه: أن تشكر على اللقمة، على الشربة، على يد الحبيبة في يدك، في الوقت القصير الذي وهبك إياه الله تحت الشمس.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *