الكتاب المقدس

يونان ونينوى: نداء التوبة

فَتَحَ يُونَانُ عَيْنَيْهِ عَلَى أُفُقٍ مُتَوَسِّدٍ سَحَابًا رَصَاصِيًّا. لَمْ تَكُنْ رِيحٌ، بَلْ ثِقَلٌ فِي الْهَوَاءِ كَأَنَّهُ يُنَذِرُ بِشَيْءٍ عَظِيمٍ. أَمَامَهُ، بَسَطَتْ نِينَوَى أَكْتَافَهَا الْهَائِلَةَ. لَمْ يَكُنْ قَدْ رَأَى مِثْلَهَا قَطُّ؛ سُورٌ يَصِلُ إِلَى السَّمَاءِ، وَأَبْوَابٌ مِنْ خَشَبِ الأَرْزِ الْغَلِيظِ، يَدْخُلُ وَيَخْرُجُ مِنْهَا خَلْطٌ مِنَ الْبَشَرِ وَالدَّوَابِّ وَالْعَجَلَاتِ. صُعِدَتْ رَائِحَةٌ غَرِيبَةٌ إِلَى أَنْفِهِ: رَائِحَةُ طِينٍ وَعَرَقٍ وَزَيْتٍ حَارٍّ وَوَرَقِ نَخِيلٍ يَابِسٍ، وَتَحْتَهَا كُلِّهَا نَتَانَةٌ خَفِيفَةٌ كَنَتْنِ الْقُبُورِ.

مَشَى. كَانَتْ قَدَمَاهُ ثَقِيلَتَيْنِ عَلَى تُرَابِ الطَّرِيقِ. تَذَكَّرَ الظُّلْمَةَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ، ذَلِكَ الْبَلَلِ الْمَالِحِ الْمُخِيفِ، ثُمَّ نِعْمَةَ الْخُرُوجِ إِلَى النُّورِ. كَانَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ الآنَ تَحْتَرِقُ فِي صَدْرِهِ مِثْلَ جَمْرٍ. لَمْ يَكُنْ بِإِمْكَانِهِ رَفْضُهَا مَرَّةً أُخْرَى، وَلَكِنَّهُ دَاخِلَهُ لَمْ يَتَمَنَّ لِهَؤُلاءِ النَّاسِ خَيْرًا. رَأَى وُجُوهَهُمْ: وَجْنَاتٌ عَرِيقَةٌ، عُيُونٌ ذَكِيَّةٌ وَقَاسِيَةٌ، أَثْوَابٌ مُزَيَّنَةٌ بِالْأَلْوَانِ. رَأَى فِي سَاحَةٍ كَبِيرَةٍ تَمَاثِيلَ لِآلِهَتِهِمْ، مِنْ حَجَرٍ أَسْوَدَ، بِوُجُوهٍ مُتَجَهِّمَةٍ وَأَجْنِحَةٍ لِلْجِرَاحِ.

أَوْقَفَهُ شَيْخٌ يَحْمِلُ سِلَّةَ فَاكِهَةٍ. “مِنْ أَيْنَ أَنْتَ يَا غَرِيبُ؟ وَجْهُكَ يُخْبِرُ بِأَنَّكَ جَاءَ مِنْ بَعِيدٍ.”

صَمَتَ يُونَانُ لَحْظَةً. ثُمَّ ارْتَفَعَ صَوْتُهُ، لَيْسَ كَصَيْحَةٍ، بَلْ كَنَغْمَةٍ حَزِينَةٍ وَمُرَّةٍ تَقْطَعُ ضَجَّةَ السُّوقِ: “بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا تَنْقَلِبُ نِينَوَى!”

تَرَدَّدَتِ الْكَلِمَةُ فِي الْهَوَاءِ الثَّقِيلِ. تَوَقَّفَ بَعْضُهُمْ، نَظَرُوا إِلَيْهِ كَنَظَرِهِمْ إِلَى مَجْذُومٍ أَوْ مُخَبَّلٍ. الْتَهَمَ آخَرُونَ بِضَاعَتَهُمْ وَمَضَوْا. وَلَكِنَّ كَلِمَتَهُ لَمْ تَمُتْ. كَانَتْ كَحَجَرٍ أُلْقِيَ فِي بِرْكَةٍ سَاكِنَةٍ، تَتَبَعَّهَا دَوَّامَاتٌ. سَارَ يُونَانُ فِي طُرُقِ الْمَدِينَةِ، يَرْتَقِي إِلَى الْأَمَاكِنِ الْأَعْلَى، يَكْرِرُ نَبَأَهُ الْوَاحِدَ: “أَرْبَعُونَ يَوْمًا فَقَطْ، ثُمَّ يَنْقَلِبُ كُلُّ شَيْءٍ. تَنْقَلِبُ نِينَوَى بِجَمِيعِ عَظَمَتِهَا وَشَرِّهَا.”

سَمِعَهُ نَجَّارٌ وَهُوَ يُقَلِّبُ خَشَبًا. تَرَاجَعَتْ يَدُ النَّجَّارِ عَنْ مِبْضَعِهِ. سَمِعَتْهُ امْرَأَةٌ عَلَى بَابِ دَارِهَا فَتَلَتْ يَدَيْهَا فِي مَزْرَرِ ثَوْبِهَا. الْكَلِمَةُ لَمْ تَكُنْ مُحَمَّلَةً بِالتَّفَاصِيلِ وَلَا بِالْوَعِيدِ الْبَلِيغِ. كَانَتْ بَسِيطَةً، قَاطِعَةً، صَادِرَةً مِنْ رَجُلٍ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ ظَاهِرٌ، إِلَّا سُلْطَانَ يَقِينٍ مُرَوِّعٍ. وَفِي عُيُونِهِ، نَظَرَ مَنْ سَمِعَهُ شَيْئًا آخَرَ: لَمْ يَكُنْ خَوْفَ الْعُقُوبَةِ بَلْ هَيْبَةَ ذَلِكَ الَّذِي أَرْسَلَهُ. كَانَتْ رِسَالَةٌ مِنْ مَلِكٍ لَمْ يَعْرِفُوهُ، وَلَكِنَّ صِدْقَهَا نَفَذَ إِلَى الْعِظَامِ.

وَبَدَأَ الْخَبَرُ يَنْتَشِرُ كَدُخَانِ حَرِيقٍ فِي لَيْلٍ هَادِئٍ. مِنْ حَارَةٍ إِلَى حَارَةٍ، مِنْ دُكَّانٍ إِلَى دُكَّانٍ. لَمْ يَكُنِ النَّاسُ يَعْرِفُونَ يُونَانَ، وَلَكِنَّهُمْ عَرَفُوا فِي أَنْفُسِهِمْ شَيْئًا. عَرَفُوا ثِقَلَ الظُّلْمِ الَّذِي يَغْشَى الْمَدِينَةَ، وَالْعُنْفَ الَّذِي يَتَسَرَّبُ فِي تُرَابِهَا، وَصَرْخَاتِ الْمَظْلُومِينَ الَّتِي طَالَمَا خَنَقَهَا ضَجِيجُ السُّوقِ وَزَعْقَاتُ الْجُنْدِ. جَعَلَتْهُمْ كَلِمَةُ الْغَرِيبِ يُصْغُونَ إِلَى ذَلِكَ الصَّوْتِ الدَّاخِلِيِّ الْخَفِيِّ الَّذِي كَادُوا يَنْسَوْنَهُ.

وَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى الْقَصْرِ. وَفِي الْمَشْهُورِ عَنْ مَلِكِ نِينَوَى أَنَّهُ كَانَ رَجُلَ حَرْبٍ صَلْبًا، وَلَكِنَّهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةَ لَمْ يَنْمْ. خَرَجَ إِلَى شُرْفَتِهِ، وَرَأَى الْمَدِينَةَ الْهَائِلَةَ نَائِمَةً تَحْتَ نُجُومٍ لَامِعَةٍ. سَمِعَ -أَوْ تَخَيَّلَ أَنَّهُ سَمِعَ- صَوْتَ الرَّجُلِ الْغَرِيبِ يَتَدَحْرَجُ فِي أَزِقَّةِ الْمَدِينَةِ الْحَجَرِيَّةِ. فَجَأَةً، شَعَرَ بِثِقَلِ التِّيجَانِ عَلَى رَأْسِهِ، ثِقَلٍ لَمْ يَعْهَدْهُ مِنْ قَبْلُ.

قَبْلَ الْفَجْرِ، اتَّخَذَ الْمَلِكُ قَرَارَهُ. لَمْ يَسْتَشِرْ حُكَمَاءَهُ، وَلَمْ يَنْتَظِرْ تَقْدِمَةَ الْكَهَنَةِ. نَزَعَ رِدَاءَهُ الأَرْجُوَانِيَّ، وَخَلَعَ تَاجَهُ، وَلَفَّ جَسَدَهُ بِمُسُوحٍ خَشِنٍ مِنَ الْخَيْشِ. ثُمَّ جَلَسَ فِي الرَّمَادِ، فِي أَعْلَى مَكَانٍ فِي الْقَصْرِ، حَيْثُ يَرَاهُ جَمِيعُ الْخُدَّامِ. كَانَتْ صُورَةً مُذهِلَةً: سُلْطَانُ الْأَرْضِ الَّذِي تُرْعِدُ أَسْمَاؤُهُ يَجْلِسُ فِي ذُلٍّ عَلَى تُرَابِ سَقْفِ قَصْرِهِ.

وَأَصْدَرَ أَمْرَهُ: أَمْرٌ لَمْ تُسَجِّلْهُ أَلْوَاحُ نِينَوَى مِنْ قَبْلُ. “لَا يَذُقْ إِنْسَانٌ وَلَا بَهِيمَةٌ وَلَا غَنَمٌ وَلَا بَقَرٌ طَعَامًا أَوْ مَاءً. لِيَتَلَبَّسْ جَمِيعُهُمْ بِالْمُسُوحِ، وَلْيَصْرُخُوا بِقُوَّةٍ إِلَى اللهِ. لِيَرْجِعُوا كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ طَرِيقِهِ الرَّدِيئَةِ وَعَنِ الظُّلْمِ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ. مَنْ يَعْلَمُ؟ لَعَلَّ اللهَ يَعُودُ وَيَرْأَفُ، وَيَرْجعُ عَنْ حُمُوِّ غَضَبِهِ فَلَا نَهْلِكَ.”

وَنَزَلَ الْأَمْرُ مِثْلَ نَارٍ. لَمْ يَكُنِ الْقَصْدُ الْإِرْهَابَ، بَلْ إِقْنَاعًا غَرِيبًا سَكَنَ الْقُلُوبَ. رَأَى يُونَانُ، مِنْ عَلَى أَكَمَةٍ خَارِجَ الْمَدِينَةِ حَيْثُ جَلَسَ يَنْتَظِرُ، مَنْظَرًا لَمْ يَتَخَيَّلْهُ فِي أَحْلَامِهِ. صَمْتُ رَهِيبٌ يَخِيمُ عَلَى مَدِينَةٍ كَانَ صَوْتُهَا لَا يَسْكُتُ. لَمْ تَعُدْ تُسْمَعُ أَصْوَاتُ الْبَائِعِينَ، وَلَا ضَحَكَاتُ الْحَانَاتِ، وَلَا صَهِيلُ الْخَيْلِ. بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ، رَفَعَتِ الْمَدِينَةُ جَمْعَاؤُهَا صَوْتًا وَاحِدًا، صَوْتَ نَادِبٍ عَظِيمٍ. رَائِحَةُ الْبَخُورِ انْقَطَعَتْ، وَحَلَّتْ مَحَلَّهَا رَائِحَةُ التُّرَابِ وَالتَّوْبَةِ. حَتَّى الْبَهَائِمَ، وَهِيَ مُسَرْبَلَةٌ بِالْخَيْشِ، بَكَتْ بِجُوعِهَا وَعَطَشِهَا، فَصَارَ عَوِيلُهَا جُزْءًا مِنْ صَلَاةِ الْمَدِينَةِ الْمُفْتَقِرَةِ.

وَعَلَى الْأَكَمَةِ، لَمْ يَشْعُرْ يُونَانُ بِانْتِصَارٍ. بَلْ شَعَرَ بِغَرِيبَةٍ تَمْلَؤُهُ: فَجْأَةً، أَصْبَحَ هَذَا الشَّعْبُ الَّذِي كَانَ يَتَمَنَّى لَهُ الْهَلَاكَ، يَبْكِي بُكَاءَ أَطْفَالٍ خَائِفِينَ أَمَامَ الْإِلَهِ الَّذِي أَرْسَلَهُ. رَأَى قَلْبَ اللهِ فِي عَيْنَيِ الْجَائِعِ، وَفِي دُمُوعِ الْمُسْتَبِدِّ الَّذِي نَزَعَ تَاجَهُ. لَمْ تَعُدْ نِينَوَى فِي نَظَرِهِ مَدِينَةَ حِجَارَةٍ وَآجُرٍّ، بَلْ قَلْبًا جَمَاعِيًّا هَشًّا، قَدَّمَ نَفْسَهُ عَلَى مَذْبَحِ الرَّجَاءِ بِرَحْمَةٍ لَمْ يَفْهَمْهَا هُوَ نَفْسُهُ.

وَفِي السَّمَاءِ، تَأَخَّرَتِ الشَّمْسُ فِي الْغُرُوبِ، كَأَنَّهَا تَنْتَظِرُ. وَالرِّيحُ، بَعْدَ أَيَّامٍ مِنَ الثِّقَلِ، هَبَّتْ بَرْدَةً لَطِيفَةً مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ، حَامِلَةً مَعَهَا رَائِحَةَ الْأَرْضِ بَعْدَ الْمَطَرِ. وَلَمْ تَنْقَلِبْ نِينَوَى.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *