الكتاب المقدس

نور في وادي البلوط

كان الظلام ينسحب من وادي البَلُّوط ببطء، كأنه عباءة ثقيلة تُرفع عن كتف الجبل. في كوخه المطل على القرية، جلس إلياس، عيناه على الأفق الذي يتحول من لون الرماد إلى درجات الخوخ الذهبية. كان البرد يدبُّ في عظامه، لكنه لم يشعل النار بعد. كان ينتظر النور الحقيقي.

تذكر كلمات الشيخ نُعمان، الذي قرأ عليه ذات مساء من رسالة أتى بها مسافر من مدينة تسالونيكي البعيدة. كلمات علقت في روحه كما يعلق ندى الصباح على خيوط العنكبوت: “أما أنتم أيها الإخوة، فَلَسْتُمْ في ظَلْمَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكُمْ ذَلِكَ الْيَوْمُ كَالسَّارِقِ”. لم يكن إلياس متعلماً، كان راعياً بسيطاً، لكن تلك الكلمات فتحت في صدره باباً لم يكن يعلم بوجوده.

نظر إلى القرية تحته. بدأت الأصوات تعلو: نقيق الدجاج، صرير باب المطحنة، صوت أمّة وهي تنادي أولادها. الحياة اليومية كانت تستيقظ. لكن إلياس رأى أكثر من ذلك. رأى سَالِماً البائع، الذي كان يفتح دكانه بوجه عبوس كأنه يحمل هموم العالم. ورأى ليلى، الأرملة التي كانت تحمل جرتها إلى البئر، ظهرها منحني تحت ثقل أكثر من مجرد ماء. رأى الظلمة التي لا يزيحها نور الشمس.

قام من جلسته، مفضلاً السير في الحقول. تحت قدميه، كانت التربة الرطبة تنضح رائحة الأرض بعد ليلة من الندى. سمع صوت خرير الماء في القناة الصغيرة. “كونوا هادئين” تذكر الكلمات. لطالما كان قلقه رفيقه – قلق من القحط، من المرض، من المستقبل. ولكن الرسالة تحدثت عن سلام مختلف، سلام كالحارس الذي يحرس القلب والفكر.

في طريقه، مر بمقبرة القرية الصغيرة. الحجارة البيضاء بارزة تحت أشعة الشمس الآن. وقف للحظة. الموت كان حاضراً هنا، كظل طويل. لكن كلمات أخرى عادت إليه: “لأَنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْنَا لِلْغَضَبِ، بَلْ لِلْحُصُولِ عَلَى الْخَلاصِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي مَاتَ لأَجْلِنَا”. لم يعد الموت نهاية الطريق، بل باب. هذا ما فهمه قلبه قبل عقله.

عاد إلى القرية عند منتصف النهار. الجو صار حاراً، والغبار يلتصق بالعرق على جباه الناس. في ساحة السوق، رأى شجاراً. شابان يتبارزان على بضاعة تلفت، ووجوه المحيطين بهما تشعِر بالتشفي أكثر من الرغبة في الصلح. اقترب إلياس، ليس كحَكَم، بل كجدار صامت. ثم، بدافع لا يعرف مصدره، رفع يديه بهدوء. “كفا”، قال صوته أجش. “اليوم هو يوم نور، لا ظلمة”.

نظر إليه الشابان باستغراب. لم يكن إلياس من أصحاب الكلمة المسموعة في القرية. لكن شيئاً في هدوئه، في وقفته التي لم تكن تحدياً بل تذكيراً، جعل الشاب الأكبر يتراجع خطوة. أطرق الشاب الآخر، وخزته كلمة “سلام” سمعها في الكنيس الصغير ولم يفهم معناها إلا الآن. تفرق الجميع، والحادثة لم تحل بقوة، بل بنوع من التذكير الخفي.

في المساء، بينما كانت الشمس تغرب خلف الجبل، تلوين السماء بلون النبيذ، جلس إلياس مع قليل من الجيران حول موقد صغير. تحدثوا عن أخبار الساحل، عن الغلال، عن مخاوفهم من قطاع الطرق في الطرقات الجبلية. كانت الكآبة تثقل الجو. ثم سألتْه ليلى الأرملة: “قلت اليوم كلاماً عن النور. أين هذا النور في حياتنا هذه؟”.

نظر إلياس إلى النار تتأرجح. “النور ليس في نهاية المشقة”، قال ببطء، كأنه يكتشف الكلام وهو ينطق به. “النور هو ما يمنحنا العين لنرى أن المشقة ليست نهاية القصة. أن نستيقظ، ونصحو، كما يقول الرسول. أن نلبس درع الإيمان والمحبة، وخوذة رجاء الخلاص. هذا ما يحمينا من يأس الليل”.

ساد صمت، لم يكن محرجاً، بل كان صمت تأمل. حتى سالم البائع، الذي كان يحسب دنانيره في زاوية، رفع رأسه. “الإيمان؟ والمحبة؟ في هذا الزمان؟”، قال بصوت فيه مرارة.

“في كل زمان”، رد إلياس. “هي ليست شعوراً عابراً. هي قرار. قرار بأن نعزّي بعضنا، بأن نبنِ بعضاً، كما نعلمكم أنتم أيضاً”. تذكر نعمة الشيخ نُعمان عليه، وهو الفقير الذي لا يملك شيئاً. تلك النعمة كانت كالخبز الذي يشبعه.

قبل أن ينفضوا، قرأوا معاً، من ذاكرة إلياس التي حفظت الكلمات كنُقطة عسل: “اِحْتَرِزُوا مِنَ الَّذِينَ يَسيرُونَ بِلاَ تَرْتِيب… لَكِنْ وَانْصَحُوا الْمُقَصِّرِينَ، وَأَسْنِدُوا الضُّعَفَاءَ، وَتَأَنَّوْا عَلَى الْجَمِيعِ. انْظُرُوا أَنْ لاَ يُجَازِيَ أَحَدٌ أَحَداً عَنْ شَرٍّ بِشَرٍّ، بَلْ كُلَّ حِينٍ اتَّبِعُوا الْخَيْرَ بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ وَلِلْجَمِيعِ”.

لم تكن قراءة، بل كانت صلاة مشتركة، همساً يمتزج مع صوت الريح في أغصان الزيتون.

عندما عاد إلياس إلى كوخه في الليل، كان القمر بدراً، يفيض نوره الفضيّ على الوادي. أضاء الطريق أكثر من مصباحه الخشبي. لم يشعر بالوحدة. شعر أن القرية كلها، بناسها المرهقين، المخيبين أحياناً، المتشاجرين أحياناً، كانت تحت هذا النور نفسه. النور الذي يأتي كالسارق في الظلام لمن ينامون، لكنه لا يفاجئ من استيقظوا واصحوا.

أطفأ المصباح، وجلس في ضوء القمر. الكلمات الأخيرة من الرسالة دارت في فكره كدورة المياه في القناة: “هُوَ الَّذِي يَدْعُوكُمْ وَهُوَ أَمِينٌ، وَسَيَفْعَلُ هَذَا”. الليالي قد تطول، والأيام قد تكون قاسية، لكن النداء أمين. والنور الحقيقي لا يغرب.

نام إلياس في النهاية، نوم من يضع رأسه على وسادة الرجاء، بينما حراس السلامة – الإيمان والمحبة والرجاء – يقفون ساهرين على عتبة قلبه، ينتظرون الفجر الذي لا يحمل معه شمساً فحسب، بل مجيء النور الذي لا ظلمة بعده.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *