الكتاب المقدس

يوسف وامتحان العفة

كان الجو حارًّا في تلك النهارات المصرية، حارًا لدرجة أن الهواء فوق الطرق الترابية يتراقص كأشباح عطشى. وكان يوسف، الغريب العبراني، واقفًا في فناء البيت الكبير، ينظر إلى أشجار الجميز وهي تذبل أوراقها تحت وهج الشمس. رائحة التراب الجاف والبهارات البعيدة كانت تملأ أنفه. لقد صار عبدًا هنا، في بيت فوطيفار، رئيس شرطة فرعون. ولكن يوسف لم يشعر قط بأنه عبدٌ للبشر.

كان الرب معه. هذه ليست مجرد كلمات تُسجل في سفر، بل كانت حقيقة يعيشها يوسف في صميم كيانه. كانت تُترجم إلى بركة ملموسة: كل ما يضعه يوسف يده عليه، كان يزدهر. كان البيت ينظم كآلة دقيقة تحت إدارته، والمخازن تفيض، والأموال تزداد. رأى فوطيفار ذلك، فوثق به تمامًا، وترك كل ما يملك في يده، ولم يكن يعرف من أموره شيئًا إلا الخبز الذي يأكله. كان راحة لفوطيفار، بلغته المصرية المكسورة، واجتهاده الصامت، وإيمانه الغريب بإله واحد لا يُرى.

وفي ذلك البيت، كانت عينا أخرى تراقبه. كانت عينا سيدته، زوجة فوطيفار. في البداية، كانت النظرات مجرد فضول تجاه هذا الشاب الأجنبي الوسيم، الذي يحمل في عينيه حزنًا عميقًا وكرامة غريبة لا تليق بعبد. ثم تحول الفضول إلى إعجاب، والإعجاب إلى توق محترق. كانت تراه وهو يمر في الفناء، عضلات ذراعيه تتشدد وهو يحمل الجرار، أو وهو جالس في الظل يحسب الحسابات، جبينه يتألق بقطرات عرق. كان مختلفًا عن الرجال المصريين الذين عرفتهم، مختلفًا حتى عن زوجها المشغول بأمور القصر والشرطة. كان في يوسف صفاء وقوة، كالنهر الذي يجري بهدوء لكنك تعلم أن في أعماقه تيارًا جارفًا.

وذات ظهيرة، حين كان البيت كله نائمًا تحت ثقل الحر، ولم يكن فيه أحد من خدم البيت. كان الصمت ثقيلًا، تكسره فقط أزيز ذبابة عنيدة. مشت سيدته في الممرات الباردة، حافية القدمين على البلاط الحجري، حتى وجدته في غرفة المخازن، منحنياً على جرد الحبوب. أشعة الشمس المائلة تدخل من نافذة عالية، تضيء ذراعيه وغبار الطحين الذي علق في هواء الغرفة.

– “يوسف،”
همست.

رفع رأسه. رأى عينيها تشتعلان بنار واضحة. كانت ترتدي ثوبًا رفيعًا من الكتان الناعم، وكان شعرها مُطلاً على كتفيها.

“هل تحتاجين شيئًا، سيدتي؟” سأل بصوته الهادئ، لكنه شعر بقلبه يدق كالطبل الحربي.

تقدمت خطوة. رائحة العطر الفواح، عطر الزيت النادر، ملأت الغرفة الصغيرة، واختلطت برائحة الحبوب والتراب.
“أنت تعلم ما أريد،” قالت، وكلماتها كانت لينة كالحرير وحادة كالسيف. “كل هذا البيت تحت يدك. وكل ما فيه تحت سلطتك. وأنا… أنا أيضًا في هذا البيت.”

وقف يوسف مستقيمًا، وكأنه جندي في مراقبة. كان الصراع في داخله عاصفًا. إنها جميلة، والقاعة خالية، والفرصة سانحة. إنه شاب، ودمه حار. لكن في أعماقه، صوت آخر، أقوى من شهوته، وأعمق من خوفه، كان يصرخ. صوت الرب. صوت العهد. صوت أبيه يعقوب وهو يضع يده على كتفه. صوت كرامته كإنسان، كعبد لله وحده.

تنهد تنهيدة عميقة، كأنه يستجمع قوى من مكان بعيد.
“أنظري،” قال، وصوته ارتج قليلاً لكنه كان واضحًا. “سيدي قد وضع في يدي كل ما في هذا البيت. لم يحجب عني شيئًا سواك، لأنك زوجته. فكيف أصنع هذا الشر العظيم، وأخطئ إلى الله؟”

كلماته سقطت في الصمت كحجارة في بركة ساكنة. رأى الغضب والإحباط يلمعان في عينيها. لكن وراءهما، لمحة من احترام أعمق، احترام لشيء لم تختبره من قبل: رجل يقول “لا”.

ولم تيأس. بل صار الأمر هاجسًا لها. كانت تتربص به في كل زاوية، تلاحقه بنظراتها، وتناديه بأصوات ناعمة حين تمر بجواره. وكان يوسف، بحكمة غريبة على شاب في سنه، يتجنبها. كان لا يبقى وحده في مكان تكون فيه. كان يختار الطرق الأطول في البيت، ويتجنب جناح حجرات النساء. كان صراعًا يوميًا، صراعًا مرهقًا. وكان يطلب القوة من إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، الذي لم يتخلَ عنه في الجب، ولن يتخلى عنه في قصر مصري.

و جاء اليوم الحاسم. كان يوماً عادياً. دخل يوسف إلى جزء من البيت لينجز مهمة. وكان متأكدًا أن فوطيفار في القصر، وأن الخدم مشغولون في الحقول. لكنها كانت تنتظره. كانت واقفة في ظل العمود، وكأنها جزء من النقش على الجدار. وعندما حاول المرور بسرعة، أمسكت بثوبه.

“اضطجع معي،”
قالت، وهذه المرة لم تكن هناك همسات. كان أمرًا. وكانت قوتها كامنة في عينيها، وفي قبضتها على ثوبه الكتاني الخشن.

وللمرة الأولى، شعر يوسف بالرعب الحقيقي. ليس رعب الضرب أو العقاب، بل رعب الخطيئة. رعب أن يخون ذلك الصوت الداخلي. ففعل الشيء الوحيد الذي بوسعه: هرب. هرب بكل قوته، حتى أن ثوبه تمزق بين يديها وبقيت قطعة من القماش في قبضتها الفارغة.

وقف في الفناء، تحت الشمس المحرقة، يلهث. جسده كله يرتجف. شعر بالعار، بالغضب، بالضعف. لكنه شعر أيضًا بنشوة غريبة: لقد انتصر. لقد حافظ على نظافته.

أما هي، فتركت وحدها في القاعة المظللة، تنظر إلى قطعة الثوب في يدها. لم يكن فيها خيبة أمل فحسب، بل إهانة عميقة. غضب امرأة مُرفَضة تحول إلى خطة حقد باردة. جمعت خدم البيت، وأظهرت لهم الثوب.
“انظروا،”
قالت، وصوتها يرتفع بنبرة الضحية المغلوبة على أمرها.
“أدخل علينا العبد العبراني ليهزأ بنا! دخل إليَّ ليضطجع معي، فصحت بصوت عال. فلما سمع أني رفعت صوتي وصحت، ترك ثوبه عندي وهرب إلى خارج.”

ثم أحتفظت بالثوب إلى أن جاء زوجها في المساء، وكررت له القصة نفسها، وزادت عليها ألوانًا من التفاصيل الملفقة. وكانت عيناها تذرفان دموعًا مقنعة.

عندما سمع فوطيفار كلام امرأته، حمي غضبه. غضب الرجل المنافق الذي يخفي خجله من عجزه بغضب عارم تجاه البريء. لم يستمع إلى يوسف. لم يرد أن يستمع. فالأمر كان أسهل: التخلص من العبد الذي سبب الإحراج، وإرضاء زوجته في آن معًا. فأمر فوطيفار بأخذه وطرحه في سجن بيت السجون، حيث كان مسجونو الملك محبوسين.

وهكذا، في غمضة عين، انتقل يوسف من بيت النعيم إلى قبو الظلمة. من كونه المسؤول عن كل شيء، إلى رقم مجهول بين المجرمين. كان الظلام في السجن دامسًا، ورائحة العفن واليأس ثقيلة. الهمهمات الخافتة للرجال اليائسين كانت تصعد من الزنزانات. جلس يوسف على الأرض الباردة، ظهره على الحائط الحجري الخشن. نظر إلى يديه، نفس اليدين اللتين كانتا تديران أملاكًا عظيمة. ثم أغمض عينيه.

ولكن حتى هنا، في قاع العالم، لم يكن وحيدًا. لأن الرب كان مع يوسف. لم تكن هذه مجرد بركة خارجية الآن، بل كانت حقيقة تتجلى في قلب السجن. أظهر يوسف رحمة، وسعى لخدمة رفاقه المساجين. وكان رئيس السجن، مع الوقت، يرى أن هذا الشاب العبراني مختلف. رأى النور في عينيه، والنظام الذي يجلبه إلى الفوضى من حوله. فوض إليه أمر كل المساجين، وكل ما كان يعمل هناك كان الرب ينجحه على يده.

كان يوسف في السجن، لكن السجن لم يكن فيه. كانت روحه حرة، لأنها كانت مرتبطة بخالقه. وكان يعلم، في صميم قلبه، أن قصة الله معه لم تنتهِ بعد. وأن هذه الظلمة، مثل الجب من قبل، هي مجرد ممر إلى نور لم يتخيله بعد. وكان ينتظر.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *