كان الصباح بارداً حين جلس الطفل يوآش على العرش، لا شيء يفصل بينه وبين الفراغ الهائل للملك سوى يد يهوياداع الكاهن، الثقيلة والدافئة على كتفه الصغير. كانت أورشليم تتنفس بهدوء خائف، كأن المدينة كلها توقفت عن الحركة لتشهد طفلاً ملكاً. رائحة البخور الباهتة لا تزال عالقة في أرجاء الهيكل، تختلط برائحة الخشب القديم وحجارة الأروقة الباردة.
سبع سنين قضاها الصبي مختبئاً في غرف الهيكل الداخلية، يسمع همسات الكهنة وخطى الحراس الليلية، وينام على صوت تلاوة الشريعة. كانت عثليا، الملكة الأم، قد أبادت كل البقية الباقية من بيت داود، أو هكذا ظنت. لكنّ يهوياداع، بكبرياء الكاهن القديم وإيمانه العنيد، أخفى الطفل الصغير بين الستائر المقدسة. كان يوآش يتذكر أشياءً مبعثرة: صوت عثليا القاسي يهدر في الساحات الخارجية، ويد يهوياداع ترتجف وهي تمسك بيده، وصوت خالته حنة وهي تهمس له قصصاً عن جده يورام وعن ملكوت ضاع.
والآن، ها هو جالس على كرسي منحوت من أرز لبنان، تاج الملك ثقيل على جبينه. نظر إلى وجوه الشعب المحتشدين في الدار الكبير. رأى العيون الواسعة، الخائفة والمليئة بالأمل معاً. سمع هتافهم يرتفع كموج البحر: “ليحي الملك! ليحي الملك!” وشعر كأن صدره سيتمزق من فرط ما يحمله من مجد مفاجئ، ومن خوف عارم.
كان يهوياداع هو العقل المدبر، اليد القوية. درّب يوآش على أحكام الشريعة، على سير الملوك الذين من قبله. علمه كيف يميز بين صوت الرب وصوت المصلحة، بين نداء الواجب ووسوسة القوة. وكانت السنوات الأولى من حكمه كنسيم ربيعي بعد عاصفة طويلة. أطاع يوآش يهوياداع في كل شيء، لأن الكاهن كان له أباً ومرشداً. وصنع الملك ما هو مستقيم في عيني الرب كل أيام يهوياداع الكاهن.
لكنّ النفوس البشرية كالأرض الخصبة؛ قد تنمو فيها البذور الطيبة، لكن لا بد لشقائق النعمان من أن تظهر بين الحين والآخر. كان يوآش يشيخ، وكانت كلمات الشيوخ ورجال القصر، الذين عاصروا أباه وجده، تصل إلى أذنيه كهمسات ليلية متكررة. همسات عن مجد سليمان، عن ثروة يهوشافاط، عن قوة لا يعرفها لأنه عاش تحت جناح كاهن.
وذات يوم، بينما كان يوآش يتفقد خزائن بيت الرب، صُعق مما رأى. الأبواب المكسورة، النوافذ المخرقة، الصدأ الذي أكل أدوات الذهب والفضة. لقد أهملت عثليا بيت الرب، وبناتها، وأصبح المكان الذي نشأ فيه يوآش يبدو كشاهد محطم على زمن مضى. غضب الملك غضباً صامتاً. نادى يهوياداع وقال له: “لماذا لم تسعَ إلى إصلاح بيت الرب؟”
كان صوت يوآش حاداً لأول مرة منذ عرف الكاهن. نظر يهوياداع إلى تلميذه، فرأى في عينيه شرراً جديداً، لم يكن من نار الغيرة المقدسة وحدها، بل من نار الكبرياء أيضاً. ربما كان هذا أول خيط من خيوط الغيوم التي ستجلب العاصفة.
أمر الملك بأن يُصنع صندوق ويثقب في غطائه، ويوضع خارج باب بيت الرب. ونادى الكهنة واللاويين أن يجمعوا من كل إسرائيل مالاً لإصلاح بيت الرب. لكن الأمر تقدم ببطء. كانت أيدي الكهنة واللاويين، بصراحة، قد اعتادت على البطء والروتين. فقام الملك باستدعاء يهوياداع مرة أخرى. هذه المرة، كان القرار من يوآش وحده: “لا حاجة للكهنة بعد اليوم في جمع المال. ليأخذه رؤساء الشعب ويعيدوا إصلاح البيت.”
وفتح الصندوق أمام عيون الشعب، وامتلأ بالفضة والذهب. سلم المال إلى ناظري العمل، رجال أمناء، فاستأجروا نحاتين وبنائين، واشتروا حجارة وأخشاباً. وعادت طرقات المطارق وأصوات النجارين تتردد في أروقة الهيكل، كأنما المكان يستعيد أنفاسه. كان يوآش سعيداً. كان يرى بعينيه بيت الرب يعود إلى بهائه، وكان يرى في هذا صورة لملكوته هو: قوي، منظم، فعال.
ثم مات يهوياداع.
مات الكاهن العجوز مكمّلاً أيامه، مائة وثلاثين سنة. ودفنوه في مدينة داود مع الملوك، لأنه صنع خيراً في إسرائيل. وبكى يوآش على من فقد، ولكنه لم يبكِ كالطفل الذي فقد أباه، بل بكى كالرجل الذي فقد ظله. وفجأة، وجد نفسه في مواجهة الشمس الحارقة للسلطان، دون ساتر.
جاءه رؤساء يهوذا، وانحنوا أمامه، وبدأوا يتحدثون. حديثهم كان كالعسل، حلو المذاق، سلس الانسياب. تحدثوا عن عبادة الآلهة الأخرى، عن أصنام الشعوب المجاورة، عن طقوس تقدم المجد والغلبة. وكان في حديثهم شيء من التبرير، شيء من “كل الملوك يفعلون ذلك”، و “الشعب يطلب ذلك”. واستمع يوآش. واستمع أكثر.
وترك بيت الرب إله آبائه، وعبد السواري والأصنام. كان السقوط بطيئاً، كسقوط الورقة من الشجرة في يوم خريفي بلا ريح. لم يعد يوآش ذلك الملك المتدين الذي نشأ في الهيكل، بل أصبح رجلاً يبحث عن تأييد الناس، عن قوة ملموسة، عن مجد فوري.
وأرسل الرب أنبياء إلى الشعب ليردوهم إليه، فكانوا يشهدون عليهم. ولكن الشعب لم يصغِ. وفي قلب هذه الفوضى الروحية، قام زكريا بن يهوياداع الكاهن، ووقف فوق الشعب وقال: “هكذا يقول الرب: لماذا تتعدون وصايا الرب فلا تفلحون؟ لأنكم تركتم الرب، فقد ترككم.”
كان صوت زكريا كصوت أبيه: قوياً، صافياً، يخترق الضجيج. ولكن يوآش لم يعد يرى في هذا الصوت صوت الأب الحكيم، بل رأى فيه تأنيباً علنياً، تحدياً لسلطانه. وفي اجتماع للملك مع رؤساء الشعب، بتحريض من الملك نفسه، رجموا زكريا بحجارة في دار بيت الرب.
وقف زكريا وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، والدماء تسيل على الحجارة المقدسة التي كان أبوه قد علم الملك الصغير كيف يحترمها. وقال: “ليطلع الرب وينتقم.” وكانت هذه الكلمات، أكثر من الموت نفسه، ثقيلة كالجبل على قلب يوآخ.
وبعد ذلك، عند مطلع السنة، صعد عليه جيش أرام. أتوا بجنود قليلين، ولكن الرب سلّم في أيديهم جيشاً كثيراً جداً، لأنهم تركوا الرب. دخل الأراميون أورشليم، وقتلوا كل الرؤساء، وأرسلوا كل الغنائم إلى ملك دمشق. وتركوه بأمراض كثيرة.
وفي فراش المرض، بينما كان الآلام تكاد تفصم عظامه، وأصوات الأطباء عاجزة، جاءه خدامه لينتقموا له من دم زكريا بن يهوياداع. فقتلوه على فراشه. ومات، ولم يدفنوه في قبور الملوك، لأنه كان قد نسي يد من أنقذه من الموت ورفعه إلى الملكوت.
ودفنوه في مدينة داود، ولكن ليس في قبور الملوك. وكانت نهاية حزينة لملك بدأ كقصة أمل عظيمة. وذهبت الملكة إلى ابنها، أمصيا، لترث العرش وتتعلم من دروس التاريخ التي، للأسف، كثيراً ما ننساها قبل أن تصير ذكرى.




