كان الغروب يلفُّ القديمَ بحُلَّةٍ من ذهبٍ مائلٍ إلى البنفسج، وكانت ظلالُ السور الحجريِّ تطولُ رويدًا رويدًا. جلستُ على مقعدي المُعتادِ قربَ الباب الغربيِّ، وأنا أسمعُ همسَ الريح بين أشجار الزيتون. ذاك المساء، وكما حدثَ في سنواتٍ عابرةٍ من عمري، عادت إلى نفسي ذكرياتٌ كالسُّحبِ البعيدة.
أتذكرُ أيامَ شبابي، حين كان قلبي نقيًّا كجدولٍ جبليّ، وصباحاتي تبدأ بتسبحةٍ للسماء. لكنني، ويا للحُزن، نظرتُ حولي فرأيتُ حالةَ العالم. رأيتُ الأشرارَ، أولئك الذين يتكلمون بكبرياءٍ ويضعون في السماوات فَمَهُم، وكأنهم يملكون الكون. ازدهروا. ازدهروا حقًّا. تكاثرت ثرواتهم حتى تلمعُ في عيون الفقراء كالسيوف الباردة. صحَّتْ أجسادهم، وكأنَّ الموتَ نسيَ أسماءهم. لا همَّ لهم سوى راحتهم، ولا همّ يُلمُّ بهم في أيام البأس. يتبخترون في الأسواق، وثيابهم من أرفع الأنواع، وأصواتهم تُسمَع فوق أصوات الحكماء.
وأنا؟ كنتُ أغسل قلبي كلَّ صباحٍ، وأحفظُ يديَّ من الدنس. لكنني عانيتُ. كلَّ يومٍ عقوبةٌ جديدة، وكلَّ فجرٍ تجربةٌ قاسية. كدتُ أقول في سري: “ما فائدة الطهارة؟ ما نفعُ حفظ الوصايا؟” صار قلبي مرَّاً، وشعرتُ كأنني أسيرُ في حقلٍ من الشوكِ حافي القدمين، بينما هم يركبون المركباتِ الفاخرةِ على الطرقِ المعبَّدة. لقد حسدتهم. اعترفُ بذلك. حسدتُهم على راحتهم، على ابتسامتهم الآسرة، على غيابِ الهمِّ من عيونهم.
حاولتُ أن أفهمَ، فكلَّما فكَّرت، ازددتُ حيرةً. كان الأمرُ ثقيلًا عليَّ، ثقيلًا حتى كدتُ أتعثَّر. ثمَّ دخلتُ مقدسَ الله. هناك، تحتَ ضوءِ المصابيح الخافتة، ورائحة البخور الخفية، أدركتُ الغاية. رأيتُ مصيرهم الحقيقي. هم على أرضٍ زلقةٍ، وإن بدت لهم مليئةً بالزهور. صورتُهم في مخيلتي كبناءٍ فاخرٍ، لكنَّ أساسَه على حافة هاوية. بلمحَةٍ واحدةٍ ينهار. بلْ قد صاروا منذ زمنٍ في الخراب، وصاروا طعامًا للدَّهشةِ والفزع، كحلمٍ عند الاستيقاظِ تنساه.
عندها عرفتُ كم كنتَ غبيًّا، وكأنني بهيمةٌ أمامك. لكنني مع ذلك بقيتُ معك. أمسكتَ بيدي اليمنى. بنصيحتكَ تهديني، وبعدَ المجدِ تأخذني. من لي في السماء غيرك؟ وإلى من اشتقتُ في الأرض سواك؟ إن نَحَلَ جسدي وقلبي، فأنتَ صخرتُ قلبي ونصيبي إلى الأبد. أما المبعدون عنكَ فإلى الهلاكِ يذهبون.
ها أنا الآن، شيخٌ ناحلُ الجسد، لكنَّ قلبي امتلأ سلامًا لم أعرفه في عزِّ شبابي. الغروبُ يكتمل، والنجومُ الأولى تبرق في أعالي السماء. أسمعُ صوتَ المؤذنِ في المسافة. ليس بعدُ عندي كلُّ الأجوبة، لكنَّ لديَّ اليقين. يقينٌ بسيطٌ وعميق: اللهُ حسنٌ لإسرائيل، للأنقياءِ القلب. قربي من اللهِ هو خيري. اجعلُ في الرَّبِّ Yahwe ملجإي، لأُخبرَ بكلِّ صنائعك.
الظلامُ الآن يكادُ يتمُّ، ولكن في صدري نورٌ لا يغيب.




