الكتاب المقدس

أناشيد صهيون على ضفاف بابل

بجانب أنهار بابل، هناك جلسنا، بل هناك انسحقنا. لم تكن المياه العذبة التي تهمس بين حجارة النهر عزاءً لنا، بل كانت تذكيرًا مُرًا بجداول صهيون البعيدة، تلك التي كنا نعرفها، والتي كانت تخترق أرضنا كشرايين الحياة. كان الهواء ثقيلاً برائحة الطين والغُربة، وعبق زهور لا نعرف أسماءها. جاء الحراس أحياناً، فاترين في حراستهم، وكأنهم يعرفون أن الروح المُحطمة لا تحتاج إلى قيود كثيرة.

علقت أعوادنا على أغصان الصفصاف الباكي، تلك التي تتدلى نحو الماء كما لو تبحث عن شيء ضائع. لم تكن مجرد آلات موسيقية، بل كانت شهادات صامتة على حياة أخرى، على أفراح ذابت كالضباب. سألنا بعضنا: كيف ننشد أغنية الرب في أرض غريبة؟ في أرضٍ صارت أصواتنا فيها كالصدى الضائع في وادٍ مقفر؟ كانت الشمس تغرب خلف القصور البابلية الشاهقة، ملونةً النهر بلون النحاس، وكأن كل شيء هنا مُغلف بطبقة من غربة لا تُخترق.

تذكرت وجه أورشليم في آخر رؤية لي، المدينة التي تشبثت بتلّها كما يتشبث الطفل بثوب أمه. كانت حجارتها الذهبية تحت الشمس تشبه وجهًا يبتسم تحت الدموع. والآن، صارت تلك الذكرى كسكين في الخاصرة. كنا نصمت طويلاً، والصمت نفسه كان لغتنا المشتركة، لغة الخراب الذي لا يحتاج إلى كلمات.

وفي الظلام، عندما كان القمر يرشح نوره البارد على مخيمات السبي، كان أحد الشيوخ يهمس بقصص عن الهيكل، عن رائحة البخور في الصباح، عن ارتعاش الألحان تحت قبة القدس. كنا نسمع، وأعيننا تحدق في العتمة، وكأننا نرى تلك الصور تتشكل في الهواء ثم تتبدد. كان الألم ليس مجرد ذكريات، بل كان جسدًا حيًا ينمو داخلنا، ويكبر مع كل يوم يمر.

في النهار، كان بعض البابليين يمرون، فيتوقفون ساعة، ثم يقولون بلهجة فيها شيء من السخرية والفضول: “غَنّوا لنا من أغاني صهيون”. كان الطلب يهبط علينا كضربة سوط غير مرئية. كنا ننظر إلى أيدينا الخاوية، ثم إلى وجوه بعضنا البعض، فنرى نفس القَسَم يتجدد في الأعين: إن نسيتك يا أورشليم، فلتنس يميني مهارتها. لتلتصق لساني بحنكي، إن لم أذكركِ، إن لم أُقَدِّم أورشليم في أعلى فرحي.

كانت القَسَمَة لا تُنطق بصوت عالٍ، بل كانت تُحفر في القلب حفرًا. كانت تتردد في همسات الليل، في صلواتنا المُحْبَطَة التي كانت تصعد كالدخان الخفيف. حتى الأبناء الصغار، أولئك الذين ولدوا هنا بجانب هذه الأنهار، كانوا يلتقطونها من نظرات الآباء، فيصمتون كما لو أن في الهواء سرًا كبيرًا لا يُفصح عنه.

ومرّت السنوات، فصار الحزن جزءًا من نَسْجنا، مثل الخيط الأرجواني في ثوب بالٍ. صرنا نعرف مجاري أنهار بابل كما كنا نعرف دروب صهيون، ولكن المعرفة هنا كانت كالجرح الذي لا يندمل. كانت الأغاني الحقيقية، أغاني الرب، محبوسة في مكان عميق داخل الحلق، تنتظر يومًا قد لا يأتي.

وفي الليالي الطويلة، عندما كان البرد القادم من النهر يتسلل تحت الأغطية البالية، كنا نحلم أحياناً. نحلم بالعودة، بأن تسير أقدامنا على تراب مقدس. لكن الصباح كان يأتي دائمًا بلون الرماد، وبصوت الحراس الذين كانوا يتكلمون بلغة لا تشبه لغتنا، بلغة كانت كل حرف فيها يذكرنا بأننا غرباء، وأننا هنا، بجانب هذه المياه التي لا تعزينا.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *