الكتاب المقدس

ابن عائد بحكمة الحياة

كان الشيخ نعمان يجلس في ظلّ شجرة تين عتيقة، على مقربة من بيته الطيني في طرف القرية. كان المساء قد ألقى بستاره الورديّ فوق التلال، وصعدت نسمات باردة تحمل رائحة الأرض البَعد المطر. بين يديه، صحن فخّار دافئ فيه حساء العدس، وكان يتنهد بين لقمة وأخرى، ليس من جوع، بل من ثقل رأى عيناه إثره خلال النهار.

كان ابنه الأصغر، سليمان، قد غادر البيت عند الفجر غاضبًا، بعد مشاحنة بسيطة حول بقرة أضاعها في الجبل. قال الأب كلمة نصح، فما كان من الولد إلا أن هزّ كتفيه واندفع خارجًا، وصفع الباب خلفه. وتذكر الشيخ الآية التي حفظها في صباه: “الجهول هو ابن يُهين أباه، والخادم المتهوّر يسب سيدته.” ولكن قلبه كان موجوعًا. ليس من شتم سمع، بل من إدراك أن الولد قد يضلّ الطريق.

وفي تلك الأحيان، جاءه جاره القديم، أبو خالد، وهو يحمل بيديه إبريق شاي منعنع. جلس بجانبه دون استئذان، كما هي عادتهما منذ أربعين عامًا. نظر إلى وجه نعمان وقال: “الثقل على وجهك يا صاحبي.” فسرد له الشيخ ما حدث. هزّ أبو خالد رأسه وهو يملأ فناجينهما الصغيرة. “اسمع يا نعمان، الفقير يتكلم ملتمسًا، والغني يجيب بفظاظة. هذا من طبائع الناس. ولكن الولد نار شبابه لم تخمد بعد. سيُدرك.”

لم يكن كلام جاره عزاءً كافيًا، لكن وجوده كان سلوى. وتذكر نعمان قول الحكمة: “الأخوة والصدّيقون يولدون لأوقات الشدة.” فكم من مرة وقف هذا الرجل إلى جانبه عندما خسر تجارته في المدينة، أو عندما مرضت زوجته. الوجود الصامت أحيانًا أبلغ من خطبة.

بينما هما يتجاذبان أطراف الحديث، مرّ من أمامهما رجل المدينة، تاجر القماش المعروف، بملابسه الفاخرة وحرّاسه الشخصيين. كان يتحدث بصوت عالٍ ويأمر خدمه بكبرياء. نظر إليه الشيخ نظرة حزينة. “انظر إليه، كأنه يملك الدنيا. يقول الكتاب: ‘غنى الإنسان تهبه أصدقاء كثر، ولكن الفقير يفترق عنه حتى صديقه’. لو سقط غدًا، فمن يبقى معه؟” وأضاف أبو خالد: “ومكتوب أيضًا: ‘المحسن إلى الفقير يُقرض الرب، وسيجازيه على فعله’. هذا التاجر لم يعطِ فقيرًا درهمًا واحدًا.”

بدأ الظلام يعمّ القرية، وأضاءت في البيوت مصابيح ضئيلة. وبينما كان الشيخ يفكر في العودة إلى الداخل، سمع صوت ارتباك قادم من ساحة القرية. نهض هو وصاحبه مذعورين. كانت مجموعة من الشباب تتشاجر، وأحدهم كان ابنه سليمان. كانت الخصومة حول دَين صغير، حاول سليمان أن يتوسط فيه لصديقه، فانقلب الأمر إلى عراك. كان وجه الولد محمومًا وعيناه تقدان شررًا. وقف الشيخ نعمان أمام الجميع، صوته يرتجف من الحزن لا من الغضب: “كفى. رجل بطيء الغضب فائق العقل، والمتعجل الروح يرفع الحماقة.”

صمتت الساحة. نزل سليمان يده التي كانت مقبوضة، وانحنى رأسه خجلاً. أتى به أبوه إلى البيت. في الطريق، لم يوبخه، بل وضع يده على كتفه. “يا بني، ‘الرأي الحسن يبطئ الغضب، والمجد الصالح يغطّي على الخطأ’. لكن تذكر: ‘المرء الذي يشهد شهادة كاذبة على قريبه هو هرّاس وسيف.’ لماذا تتدخل في ما لا يعنيك وتصدّق كلّ كلمة؟”

دخلوا البيت، وجلس الولد على الحصير. كانت أمه، أم سليمان، تنظّف جرحًا صغيرًا في جبينه بصمت، وعيناها تذرفان دموعًا صامتة. نظر الأب إلى المشهد، وتذكر كيف أن “القلب البشريّ يخطط طريقه، والرب يهدي خطواته.” كم خطط لابنه أن يكون تاجرًا أو كاتبًا، ولكن الربّ له طريق آخر. ربما هذه الدروس القاسية هي ما ستهديه.

قبل النوم، فتح الشيخ نعمن كتاب المزامير، كما يفعل كل ليلة. لكن اليوم، توقف عند سفر الأمثال. قرأ لنفسه: “الرحمة على الفقير إكرام للخالق، وقساوة القلب إهانة لمن خلق الجميع.” ثم أغمض عينيه ودعا: “يا رب، علمني القناعة. ‘الكسل يغرق صاحبه في سبات عميق، والنفس المتكاسلة تجوع.’ لا تجعلني أتواكل، ولكن علمني أن أسعى بعزيمة ورجاء. واغفر لولدي تسرعه، واجعله من ‘المطيعين للوصية، الحافظين لأنفسهم’.”

في الغرفة المجاورة، كان سليمان يتقلب على فراشه، كلمات أبيه ترن في أذنيه. رأى وجه التاجر المتغطرس، ورأى وجه جاره الفقير الذي ساعده ذات يوم بلا مقابل. تذكر كيف أن “المرء الكثير الأصدقاء يتعرض للخسران، ولكن هناك صديق ألصق من الأخ.” وفهم في قرارة نفسه أن أباه هو ذلك الصديق.

وفي الصباح، مع أول خيوط الفجر، نهض سليمان وذهب إلى الحظيرة. أخذ البقرة التي أضاعها وربطها بحبل جديد. ثم دخل إلى البيت، وجلس أمام أبيه الذي كان يصلي. قال: “أبي، سأبحث عن البقرة اليوم حتى أجدها. وسأعمل في حقل عمي حتى أسدّد دين صديقي. وعاهدًا، لن أرفع صوتي عليك مرة أخرى.”

نظر الشيخ إلى عيني ولده، فرأى فيهما نضجًا جديدًا. لم يقل له “أخبرتك”، بل ضمّه إلى صدره. وعندما خرج الولد، نظر الشيخ من النافذة، ورأى الشمس تشرق على التلال، وكأنها تعلن يومًا جديدًا. تذكر الآية الأخيرة من الأصحاح: “الابن الجاهل عار على أبيه، والبنت المتمردة خزي لأمها.” وحمد الله لأن الابن عاد، ليس جاهلًا، بل متعلمًا من مدرسة الحياة القاسية، بتدبير إلهي حكيم، وصبر أبوي رحيم.

وفي قرية صغيرة، تحت سماء واسعة، كانت حكمة قديمة تسير على أقدام البشر، تُختبر في مشاحناتهم ومصالحاتهم، في غضبهم وصبرهم، في فقرهم وقناعتهم. وكان الرب، في صمت السماء، يوجه خطوات من يطلبون الهدى، ويرحم من يعترفون بالضعف. لأن “مخافة الرب تؤدي إلى الحياة، فينام الإنسان شبعانًا، لا يمسه السوء.”

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *