الكتاب المقدس

ملك العدل والجدول العطشى

كان الحرّ ثقيلاً كرداء من رصاص. لم تكن حرارة الشمس وحدها، بل كان وهج اليأس أيضاً يشوي وجه القرية الواقعة عند منحدر التل. الأرض، التي كانت يوماً تزهو بخصبها، صارت تشقّقات عطشى تتطلع إلى السماء الخالية من الغيوم. كان الناس يتحركون في بطء، كظلال في حلم كئيب، وأعينهم تعلوها غشاوة من التسليم لما آلت إليه الأحوال. كان الحاكم المحلي رجلاً قاسياً، يستنزف ما تبقى من خيرات القرية ليضيفها إلى خزائنه، بينما حرّاسه يتجولون متبخترين، وعصيهم لا تهدأ عن رؤوس الفلاحين.

في كوخ من طين على حافة القرية، جلس الشيخ إيليا، وعيناه الغائرتان تحدقان نحو الأفق البعيد. كانت يداة المخطوطتان تحكمان على لفافة من جلد قديم، عليها كلمات سبق أن تنبأ بها نبي. كان يرددها بصوت خافت، كمن يروي نفسه سراً دفيناً: “هُوَذَا مَلِكٌ يَمْلِكُ بِالْبِرِّ، وَرُؤَسَاءُ يَرْأَسُونَ بِالْحَقِّ”. كان الشباب يسمعونه فيشمئزون. “أين هذا الملك؟ وأين هذا الحق؟” كانوا يسألون، وأصابعهم تشير إلى الحقول المحروقة وإلى قصر الحاكم المتربع على التل كنسر جاثم. ولكن الشيخ كان يصمت، ثم يعيد قراءة الكلمات: “وَيَكُونُ الرَّجُلُ كَمَلْجَإٍ مِنَ الرِّيحِ، وَكَسِتْرٍ مِنَ السَّيْلِ، كَجَدَاوِلَ الْمَاءِ فِي مَكَانٍ قَفْرٍ”.

لم يكن أحد يصدق أن الماء قد يعود إلى هذه الجداول التي لم يبق فيها سوى ذكريات خريرها. حتى إيليا نفسه، في ساعات ضعفه، كان يتساءل إن كانت النبوة لمجرد حلم حالم قديم. لكن شيئاً في أعماقه كان ينتفض كالبرعم تحت الصخر، منتظراً إشارة لا يعرف شكلها.

وفي أحد الأيام، مع بزوغ الفجر، لم تكن هناك علامات غير عادية. إلا أن الجو بدا أكثر صفاء، وهواء الصباح حمل نسمة باردة غير معهودة. ثم، من جهة الشرق، ظهرت سحابة وحيدة، بيضاء وناعمة كصوف م freshly جز. لم تكن سحابة مطر، بل كانت كعلامة صامتة. وشيئاً فشيئاً، دون ضجيج أو هتاف، وصلت أخبار غريبة تتناقل همساً. قيل أن الحاكم الجشع قد أزيح بين ليلة وضحاها. وقيل أن رجلاً جاء من البلاط الملكي في أورشليم، مرسلاً من قبل الملك نفسه، ليفتش في أحوال القرى النائية. وكان هذا الرجل مختلفاً.

لم يأتِ بمركبة فاخرة ولا بحراس مسلحين. مشى على قدميه، وثيابه بسيطة لكن نظيفة، وعيناه تريان كل شيء. زار الحقول المتشققة، وجلس مع الفلاحين تحت شجرة زيتون ميته، واستمع إلى شكواهم كما لم يستمع أحد من قبل. كان صوته هادئاً، لكنه واضح، وكلماته كانت تزن بالعدل كذهب في كفة. أمر بإعادة المخازن المغلاة إلى أهل القرية، وعيّن شيوخاً من بينهم، رجالاً عرفوا بالحكمة والاستقامة، ليديروا أمورهم. “سيَرْأَسُونَ بِالْحَقِّ”، همس الشيخ إيليا لنفسه والدموع تغطي وجنتيه.

لكن التحول الأعمق كان ما يزال كامناً. فالأرض ظلت جافة، والقلوب ظلت متوجسة، تخشى أن يكون هذا مجرد حلم سينقشع. ثم، في ليلة من الليالي، هبت ريح شرقية لينة، حاملةً معها رائحة تراب مبلول من بعيد. وفي الصباح، استيقظ القرية على دوي رعد منخفض، ليس رعد غضب، بل كتنهد عميق للسماء. وبدأ المطر. لم يكن عاصفة عاتية، بل كان ديمة رقيقة، تمطّر بلا توقف، يومين وثلاثة، كأن السماء تفي بوعد قديم.

تحوّلت التشققات في الأرض إلى جداول صغيرة، ثم إلى غدير متدفق. وعاد الخضار إلى التل. لكن الأغرب من ذلك كان ما حدث للناس. فالشاب الذي كان سريع الغضب، والذي غالباً ما تخاصم مع جيرانه على أدنى سبب، وجد نفسه يقدم يد العون للعجوز الذي كان بينهما خلاف. والمرأة التي كانت تتحدث بالسوء سراً، صارت لسانها يبارك. لم يكن الأمر إجباراً أو أمراً، بل كان كأن نبعاً من الطمأنينة قد انفتح في داخلهم. “وَتَكُونُ بَارَكَةُ الرَّوحِ كَمَاءٍ عَلَى أَرْضٍ عَطْشَى”، تذكر إيليا الكلمات.

صار الرجال الذين تولوا المسؤولية، والذين اختارهم القائد العادل، كظل واقٍ من القيظ. كانوا يفكرون قبل أن يتكلموا، ويحكمون بالإنصاف، لا بالغضب أو المحاباة. صار بيت المجلس تحت الشجرة الكبيرة ملجأ للجميع، ليس للقضاء فقط، بل للاستماع والمشورة. وبدأت القرية تزدهر، لا في الحقول فحسب، بل في وجوه أهلها أيضاً. عادت الضحكة الحقيقية، وعرس البنت الفقيرة أصبح عيداً للقرية كلها، وكل شخص ساهم بما عنده.

وبعد سنوات، حين كان الشيخ إيليا يحتضر، محاطاً بأبناء القرية وأحفادها، نظر من نافذة كوخه. رأى الخضار يمتد حتى الأفق، وسمع صوت غدير الماء وضَحِكَ الأطفال. تنهد تنهداً عميقاً من الرضا. لم تعد النبوة مجرد كلمات على جلد قديم. لقد رأى بعينيه كيف أن العدل هو الأرض الخصبة التي تنمو فيها البركة. وأن السلام، سلام الضمير و سلام المجتمع، هو الثمرة الحقيقية التي تدوم، حتى بعد ذهاب الرجال الصالحين. أغمض عينيه، وصورة الجدول المتدفق في المكان القفر آخر ما انطبع في ذاكرته، شاهداً على أن كلمات الأنبياء لا تموت، بل تنتظر فقط قلوباً تستعد لسماعها، وأيادٍ تبني عليها.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *