كان الظلام ينسحب من وادي قدرون ببطء، كأنه رداء ثقيل يُرفع عن كتف الجبل. جلستُ على حجرٍ أملس عند حافة الطريق المؤدي إلى الأنثونيا، أتابع شريطاً من الذهب السائل يسيل فوق أسوار الهيكل. كانت أورشليم تستيقظ، لكن سلام الصباح كان هشاً كغلالة ندى. في صدري، ثقلٌ لم يأتِ من السهر الطويل وحده، بل من كلماتٍ التقطتها أمس من فم إرميا النبي عند باب الضأن. كلمات عن دينونة، وعن رجاء أيضاً، غريبة، متنافرة، كصوت الرعد وسط الجفاف.
تذكرتُ وجهه حين نطق بها: عينان محفورتان في وجنتين ناحلتين، لكنهما تشعان بنارٍ من داخله. كان يتكلم عن “زمن ضيق ليعقوب”، لكنه سرعان ما أدار الكلام إلى خلاص. قال إن الأصوات المرعبة، صراخ الذعر ذاك الذي لا رجل فيه، ستنتهي. كيف يمكن للخراب الذي يراه الجميع قادماً – جيوش الشمال، صرير عربات الحديد، دخان المدن المحترقة – أن يحمل في طياته وعداً بالربط والشفاء؟ كانت الفكرة تدور في رأسي كالدوامة.
انطلقتُ باتجاه السوق، متسللاً بين الحمالين والباعة المبكرين. رائحة الخبز الطازج وخبز الزيتون اختلطت برائحة روث الدواب والتراب. الحياة تسير هنا، عنيدة، رغم كل النبوءات القاتمة. وفي زاوية قرب صائغ الفضة، حيث يتجمّع كبار السن لتدارس الأخبار، سمعتُ همساً: “قال إن الرب سيكسر نير العدو عن عنقنا”. ضحك أحدهم ساخراً: “نير؟ النير الوحيد الذي نراه هو نير صدقيا وحاشيته من الحمقى!” لكن رجلاً عجوزاً، عيناه شاخصتان إلى شيء بعيد، همس: “لكنه قال أيضاً: ‘ستخدمون الرب إلهكم وداود ملككم الذي أقيمه لكم’… داود؟ داود رقد منذ قرون”. ساد صمت محيّر.
عاد بي المساء إلى غرفتي الضيقة. لم أكن نبياً، ولا حكيماً، مجرد كاتبٍ يسجل عقود البيع والشراء لوكيلٍ روماني. لكن كلمات إرميا علقت فيّ كشوكة. أخذت رقّاً قديماً ودوّنت، محاولاً التقاط صدى ما سمعت: “هكذا قال الرب: صوت رعدٍ سُمع، رعبٌ بلا سلام. اسألوا الآن وانظروا: هل يلد الذكر؟ فلماذا أرى كل رجلٍ ويداه على حقويه كالوالهة، ووجوهاً شاحبة كوجه امرأة في مخاض؟”
توقفت. كان هذا من عندي، لكنه نبع من ذلك الرعب الذي وصفه. الوَلَدَة، هذا التشبيه الذي خطر لي، كان مرعباً. الرعب الذي يحوّل الرجال إلى حالاتٍ تشبه حالات النساء في أقسى ساعاتهن. كتبتُ أكثر: “في ذلك اليوم، يقول رب الجنود، سأكسر نيره عن عنقك، وأقطع قيودك، فلا يستعبدك الأجانب بعد. بل يخدمون الرب إلههم، وداود ملكهم الذي أقيمه لهم”.
هنا استوقفتني الكلمة: “أقيمه”. لم تقل “أعيده”، بل “أقيمه”. كأنها بذرة جديدة تنبت من جذر قديم. كُنتُ أفهم شيئاً فشيئاً. الخراب ليس النهاية. إنه مثل حراثة الأرض القاسية، البائسة، التي تسبق الزرع. إنه مثل صياح الطفل الأول الذي يأتي بعد آلامٍ تظنُّ المرأة معها أن الموت أرحم.
خرجتُ في اليوم التالي إلى حقول بيت حكرم، حيث تنتشر كروم العنب على المنحدرات. نظرت إلى المدينة من بعيد. أسوارها تبدو صلبة، لكن إرميا يقول إنها ستسقط. وفوق السحب البيضاء الرقيقة، بدا لي وكأن صوتاً يتردد، ليس بالعبرية وحدها، بل بلغةٍ أعمق في القلب: “أحبكِ حباً أبدياً، لذلك أدامُ لكِ الرحمة. سأبنيكِ ثانيةً فتبنين، أيها العذراء إسرائيل. ستعودين وتُنشدين على الربق، وتخرجين في رقص الفرحين… وأكون أنا إلهكِ”.
لم تكن تلك مجرد وعود سياسية. كان شيئاً أشمل. كان حديثاً عن قلبٍ جديد، عن علاقةٍ جديدة. عن عهد. كتبتُ ذلك كله في رقّي، بحبرٍ اختلط بدموع لم أعرف سببها. ربما كانت دموع رجل رأى، من خلال سحابة الدخان القادمة، فجراً لا يُقهر.




