كان النهار يميل نحو الزوال، والغبار الذهبي للشمس يتسلل بين أغصان شجرة التين الوارفة عند طرف القرية. جلَسَ إلياس على حجر أملس، ظهره يستند إلى الجذع العتيق، وأصابعه تتلمّس حبات المسبحة من خشب الزيتون وهي تنساب في صمت. لم يكن يُصلّي بصوت عالٍ كما يفعل الفريسيون عند زاوية السوق، حيث يتكئون على الأعمدة ويطيلون في الكلام ليمرّ الناس بهم. كانت كلماتُه همساً بينه وبين السماء، مثل نبع خفيّ يتدفق في قرارة القلب.
تذكر قبل أيام، وهو في سوق طبريا المزدحم، كيف رأى أحد كبار التجار يُلقِ بقطع فضّة في صندوق الهيكل مع أصحابه، ثم يرفع صوته قليلاً ليتأكد من أن خرير الفضة قد سُمع. التفت إلياس نحوه فرأى في عينيه ذلك البريق الخاطف، بريق من يشتري المجد برخيص الثمن. لكنه في اللحظة ذاتها سمع همساً داخلياً يذكّره بكلمات ذلك المعلم من الناصرة، الذي اجتمع حوله الناس على الجبل. كلمات غريبة لم يعتدها: “مَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُصَوِّتْ قُدَّامَكَ بِالْبُوقِ”. ابتسم إلياس في سره. كم كان مشهد ذلك التاجر أشبه بمُصوّتٍ بالبوق حقاً.
الآن، وهو تحت شجرة التين، شعر بسلام غريب. السلام الذي وعد به المعلم عندما قال: “أَتَيْتُ لِكَيْ تَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ”. لم يكن سلام الغنى، فقد كان رداؤه بسيطاً مرقّعاً. ولم يكن سلام الشهرة، فهو راعٍ للغنم لا يعرفه سوى أهل قريته. كان سلاماً من نوع آخر، كالطير الذي يحلّق في الأفق دون قلق من غدٍ، وكزنبق الحقل الذي لا يعمل ولا يغزل، لكنه يلبس مجداً يفوق مجد سليمان نفسه.
رفع عينيه نحو السماء الزرقاء العميقة. “أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ…” بدأ يهمس، وكأنه يخاطب أباً حنوناً قريباً، لا إلهاً بعيداً مرهباً. كانت الكلمات تخرج من أعماقه، طلبات بسيطة: خبز اليوم، غفران الزلات، وقاية من التجربة. لم يطلب كنوزاً تتراكم في المخازن فتأكلها السوس والصدا، ولم يطلب مجداً يذوي كالعشب. طلب ما يكفي اليوم، وثقة بأن الغد في يد من يطعم الطيور ويسقي الزنبق.
سمع صوت خطى تقترب. كان صديقه مرقس، يحمل عصاً وهو يتنفس بصعوبة. “إلياس! ذئبٌ افتَرسَ خروفاً من القطيع عند المنحدر. وأخوك يبحث عنك، يقول إن الحصاد لم يكن وفيراً هذا العام، وأن المخزن يكاد يخلو. تقلق أمك.”
جلس مرقس بجانبه، متعباً. نظر إلياس إلى وجه صديقه المرتسم عليه هموم كثيرة: همّ القطيع، وهمّ الأسرة، وهمّ الغد المجهول. تذكر كلمات المعلم مرة أخرى: “لاَ تَهْتَمُّوا لِحَيَاتِكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَبِمَا تَشْرَبُونَ، وَلاَ لأَجْسَادِكُمْ بِمَا تَلْبَسُونَ”. كم تبدو هذه الكلمات مستحيلة في عالم كعالمهم، حيث الجفاف يهدد، والضرائب تثقل، والرومان يسيرون في الطرقات بدروعهم الباردة.
أخذ نفساً عميقاً. “اسمع يا مرقس. انظر إلى تلك العصافير على الغصن. هل تعمل حصاداً؟ هل تجمع إلى مخازن؟ مع ذلك، أبونا السماوي يقوتها. ألستَ أنت بالحري أفضل منها؟”
صمت مرقس لحظة، ثم قال بصوت خافت ممزوج بالشك والألم: “لكن الذئاب تأكلها أيضاً، والجفاف يقتلها.”
أومأ إلياس برأسه، مدركاً صعوبة الإيمان. “نعم. لكن قلقنا لا يطرد الذئب، ولا يملأ المخزن حبة شعير واحدة. كل ما يفعله القلق هو أن يسرق سلام اليوم الذي وهبه لنا الله. انظر إلى حقل الحنطة هناك. انظر كيف ينمو، رويداً رويداً، دون أن يجهد نفسه. من منا بقوته يستطيع أن يزيد على قامته ذراعاً واحدة؟”
ساد صمت بينهما، لا يقطعه سوى حفيف أوراق التين وحفيف الحياة نفسها. ثم قال إلياس، وكأنه يحدث نفسه أكثر مما يحدث صديقه: “المعلم لم يقل إن الحياة ستخلو من الذئاب أو الجفاف. قال شيئاً آخر: اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرّه، وهذه كلها تُزاد لكم. ليس وعداً بالغنى، بل وعدٌ بكفاية. وعد بأن الذي يعتني بالعصفور لن ينسانا.”
نهض الاثنان، وعادا نحو القرية. كانت الشمس قد غابت، وأضاءت النجوم واحدةً تلو الأخرى، كلمات نور على صفحات السماء المظلمة. في طريقهما، مرّا بمنزل سمعان الفريسي، حيث كانت نافذة مضيئة، وظهر ظل رجل يصلي بحركات كبيرة متكررة، يكرر الكلمات ذاتها بصوت رتيب عالٍ. توقف إلياس لحظة. تذكر تماماً ما سمعه: “وَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلاَ تُكَرِّرُوا الْكَلاَمَ بَطَلاَ كَالأُمَمِ، فَإِنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ بِكَثْرَةِ كَلاَمِهِمْ يُسْتَجَابُ لَهُمْ.”
لم يقل شيئاً. فقط أدار وجهه نحو السماء المليئة بالنجوم، وهمس من جديد: “أبانا…”. ولم تكن هناك حاجة لكلمات أكثر. كان القلب يعرف. وكان الأب السماوي يعرف ما يحتاجه القلب قبل أن يطلبه.
واصل سيره في الظلمة، غير حامل معه سوى ثقةٍ هشة كندى الصباح، لكنها كانت أقوى من كل مخازن العالم. لأن كنزه كان في السماء، حيث لا يقربه سوس ولا صدأ، وحيث لا ينفذ.




