الكتاب المقدس

الشاب الغني والرجل الأعمى

وكان النهار يميل نحو الغروب، والشمس تُرسل أشعَّتها الأخيرة كخيوط ذهبية تُلامس تلال اليهودية. جلس يسوع على صخرة مُنخفِضة عند مُنحنى الطريق المؤدي إلى أريحا، وحوله التلاميذ، وجوههم لا تزال تحمل آثار دهشة المعجزات التي رأوها. كانت هناك رائحة تراب جاف مختلطة بعبق إكليل الجبل البري الذي ينبت بين الصخور.

فجأة، تقدَّم رجلٌ بخطوات سريعة وحازمة. كان يلبس ثوبًا فاخرًا من كتَّان ناعم، وحول وسطه حزام جلدٍ مُطعَّم بخيوط فضَّة. وقف أمام يسوع، ونظر إليه مباشرة بعينين جادَّتين. “أيها المُعلِّم الصالح، ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟”

ساد صمتٌ للحظة، لا يُسمع إلا حفيف شجرة زيتون قريبة تهزها نسمة خفيفة. نظر يسوع إليه، وكان في عينيه عمقٌ كالبحْر. “لماذا تدعوني صالحًا؟ ليس أحد صالحًا إلا واحد، وهو الله. أنت تعرف الوصايا: لا تَزنِ، لا تقتُل، لا تسرِق، لا تشهد بالزور، لا تسلُب، أكْرِم أباك وأمَّك.”

انتفخ صدر الرجل قليلًا، وكأنَّه كان ينتظر هذا السؤال. “يا مُعلِّم، هذه كلها حفظتُها منذ حداثتي.” كان صوته واثقًا، ولكن كانت هناك رغبة خفيَّة تتحرَّك تحت السطح، رغبة في شيء أكثر، شيء يملأ ذلك الفراغ الذي لم تملأه الثروة ولا الاحترام.

فحمله يسوع نظرته، نظرة اخترقت الثياب الفاخرة ووصلت إلى القلب. أحبَّه في تلك اللحظة، لأنَّه رأى صدق توقه، رغم أنَّه لم يدرك عمق حاجته. “يعوزك شيء واحد، اذهب بع كل ما لك وأعطِ الفقراء، فيكون لك كنز في السماء، وتعالَ اتبعني.”

تغيَّرت ملامح الرجل. تلاشى ذلك الثبات من وجهه، وحلَّ محله ظلٌّ ثقيل. نظر إلى الأرض، حيث غبار الطريق التصق بحذائه الجلدي اللامع. كان صراعه مرئيًّا تقريبًا؛ يمكن للمرء أن يرى ذكرى كلِّ تلك الحقول، تلك الخدم، تلك المنازل، تلك المكانة التي سيتركها. ثمَّ رفع رأسه ببطء، وعيناه تفيضان حزنًا عميقًا، حزن مَن يرى الباب المُشرَع على النور لكنَّه لا يستطيع أن يخطو عبره. ثمَّ أدار ظهره ومشى بعيدًا، وكانت خطواته هذه المرة ثقيلة وكأنَّها تُقيدها سلاسل غير مرئية.

تابع التلاميذ المشهد بصمت مذهول. ثمَّ قال يسوع، وكلماته تسقط كحجارة في مياه راكدة: “ما أعسر دخول ذوي الأموال إلى ملكوت الله!” كان التعبير على وجوههم واضحًا: إن كان الغني، المبارك في نظر العالم، لا يستطيع الدخول، فمن يستطيع؟

“يا بنيَّ،” قال يسوع ونظر إليهم بنظرة أبوية حانية، “إن دخول الملكوت عند الناس مستحيل، ولكن ليس عند الله، لأنَّ كل شيء مستطاع عند الله.”

بدأ بطرس يتكلَّم، وكان صوته يحمل قلقًا طفوليَّا: “ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك!” في عينيه سؤال عن مصيرهم، عن مكافأتهم، عن ضمان ذلك الاختيار الجذري.

فانحنى يسوع قليلًا نحوهم، وكأنه يشاركهم سرًّا عظيمًا. “الحق أقول لكم: ليس أحد يترك بيتًا أو إخوة أو أخوات أو أبًا أو أمًّا أو أولادًا أو حقولاً لأجلي ولأجل الإنجيل، إلا ويأخذ مائة ضعف الآن في هذا الزمان، بيوتًا وإخوة وأخوات وأمهات وأولادًا وحقولاً مع اضطهادات، وفي الدهر الآتي الحياة الأبدية.”

لكن لم تكُن هذه نهاية الحديث. كانت الطريق قد قادتهم إلى أريحا، وكانت حشود تزداد. وفي خضم ذلك، اقترب يعقوب ويوحنا، ابنا زبدى، وكانت في عينيهما ذلك البريق الذي يأتي قبل طلب جريء. “يا مُعلِّم، نريد أن تفعل لنا ما نطلب.”

“ماذا تريدان أن أفعل لكما؟”

“امنحنا أن يجلس أحدنا عن يمينك والآخر عن يسارك في مجدك.”

سُمعَت أنفاس حادة من باقي التلاميذ. نظر بعضهم إلى بعض بنظرات استنكار. كان الغضب يبدأ بالغليان: من يعتقدان نفسيهما؟ أليسوا جميعًا متساوين في التبعية؟

فدعاهم يسوع جميعًا. “أنتم تعلمون أن الذين يحسبون رؤساء الأمم يسودونهم، وعظماؤهم يتسلَّطون عليهم. لكن لا يكون هكذا فيكم. بل من أراد أن يصير فيكم عظيمًا فليكن لكم خادمًا، ومن أراد أن يكون فيكم أولاً فليكن للجميع عبدًا.”

توقف، ثم نظر إلى وجه كل واحد منهم، نظرة تلامس الصميم. “لأن ابن الإنسان أيضًا لم يأت ليُخدم، بل ليَخدم، وليبذل نفسه فدية عن كثيرين.”

وفي تلك اللحظة، بينما هم خارجون من أريحا، سمعوا صوتًا يصرخ فوق ضجيج الجمهور. “يا يسوع ابن داود، ارحمني!” كان رجلاً أعمى، اسمه بارتيماوس بن تيماوس، جالسًا على حافة الطريق، يرتدي رداءً باليًا. وبينما كان الناس يزجرونه ليسكت، صرخ أكثر بصوتٍ أجشٍّ من قبْل: “يا ابن داود، ارحمني!”

فوقف يسوع. “ادعوه.” تحرَّكت الحشود، وأحضروا الرجل الأعمى. “ثق، قم، هوذا إيمانك قد شفاك.” وفي الحال، استعاد الرجل بصره. وما كان أول شيء رآه؟ وجه يسوع، ونور النهار الذي افتقده منذ سنوات. فتبعه في الطريق، وهو يمجِّد الله.

ومشى الجميع صاعدين نحو أورشليم، والشمس الآن تعلو، وتحمل معها وعودًا وأسرارًا، وصليبًا ينتظر في الأفق.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *