الكتاب المقدس

معجزة الخمر في عرس قانا

كان الجو في قانا الجليل حاراً بعض الشيء في تلك الأيام، رغم أن وقت العرس قد اختير بعناية. كانت أروقة الدار المنخفضة مكتظة بالناس، وضجت بأصوات التهاني والضحكات والأغاني القديمة التي توارثتها الأجيال. رائحة الخبز الطازج واللحم المشوي تمتزج مع عبير الأزهار البرية التي زينت مدخل البيت. كان العرس حدثاً يخرق رتابة الحياة، ونفحة فرح في قلب بلدة صغيرة تعرف كل أسرار بعضها.

وسط هذا الزحام، كانت مريم تتحرك بهدوء، عيناها تراقبان كل شيء. لاحظت قبل غيرها همس الخدم، وتوتراً طفيفاً في نبرة وكيل العرس وهو يهمس للحاضرين. لقد نفد الخمر. كانت الكارثة في مجتمع يعتبر الكرمة جزءاً من الفرح، وضيافة الزاد شرفاً لا يجوز التفريط فيه. اقتربت من ابنها، الذي كان جالساً مع تلاميذه الجدد على حافة الساحة، يسمع ويراقب أكثر مما يتكلم.

“لم يبق لهم خمر،” قالت له بهدوء، وكلماتها تحمل أكثر مما تبدو عليه.

نظر إليها، وكان في عينيه ذلك العمق الذي اعتادت عليه، لكن كلماته جاءت وكأنها تحمل مسافة. “ما لي ولك يا امرأة؟ لم تأت ساعتي بعد.”

لكنها لم تفزع. تعرف ذلك القلب. التفتت إلى الخدم، وقالت لهم ببساطة لا تقبل الجدل، “مهما قال لكم فافعلوه.”

كانت هناك ستة أجران من حجر، موضوعة قرب المدخل بحسب عادة التطهير اليهودية. كبيرة، ثقيلة، تستوعب كل واحدة ماءً يكفي لغسل أيدي جمع غفير. أمرهم يسوع، “املأوا الأجران ماءً.” فملأوها إلى حافتها، والماء البارد يلمع تحت ضوء الشمس المتوسطية.

ثم قال لهم، “انزعوا الآن وقدموا إلى رئيس المتكأ.”

لم يفهم الخادم لماذا عليهم أن ينزعوا ماءً ويقدموه لرئيس المتكأ. لكنهم فعلوا كما قيل لهم. غمس الدلو، وشعر بثقله المختلف. لم يكن ثقل الماء وحده. عندما سكبه في الكأس، انسكب سائلٌ قرمزي اللون، كثيف، تفوح منه رائحة العنب الناضج تحت شمس آب. ذهب بريبة إلى رئيس المتكأ، وهو الرجل الذي يعرف أصول الولائم وذوقها.

تذوق رئيس المتكأ، وتجهم للحظة. ثم دعا العريس، وهمس له بما يقال في مثل هذه المناسبات، “كل إنسان إنما يضع الخمر الجيدة أولاً، ومتى سكروا فحينئذ الدون. أما أنت فقد أبقيت الخمر الجيدة إلى الآن!”

جلس الخدم صامتين، يعرفون الحقيقة. الماء الذي نزعوه من تلك الأجران الحجرية، الماء البارد الذي استخدموه للطهارة، قد صار خمراً تفوق كل ما ذاقوه في العرس. نظروا إلى ذلك الرجل الهادئ في الزاوية، وإلى أمه التي كانت تبتسم ابتسامة هادئة كأنها تعرف. كان التلاميذ يتطلعون إليه أيضاً، وقد ازداد إيمانهم به. لقد رأوا مجده، مجداً متواضعاً مختفياً في لحظة حرج بشري، مجداً يملأ أجران الطهارة الفارغة بوفرة لا تفسير لها.

لم تكن صرخات، ولا أضواء، ولا انشقاق للسماء. كان المعجزة في صمت، في طاعة الخدم، في ثقة أمٍّ، وفي فرح استمر. ذهب العرس في طريقه، والبعض لاحظ أن الخمر في النهاية أصبحت أطيب، وظنوا أن العريس قد خبأ أفضل ما عنده. لكن قلوب قلة منهم فقط تذوقت طعماً آخر، طعم بداية شيء جديد، كأن نعمة الله قد تخللت مثل الخمر في الماء، غيرت كل شيء من الداخل، وملأت فرح العرس من جران الطهارة الفارغة.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *