الكتاب المقدس

دعوة الروح وبداية الرحلة

وكان الجو في أنطاكيا يحمل ذلك الدفء الأخير الذي يسبق تحول الفصول. في ذلك المكان، حيث اجتمعت أصوات متعددة تسبح باسم واحد، كان هناك حركة مختلفة. لم تكن مجرد صلوات ترفع، بل كان قلوبًا تتحسس إيقاع دعوة أعلى. كان برنابا، رجل القلب الواسع والوجه الهادئ، يجالس شاول، ذلك الرجل الذي حمل في عينيه نارًا من نوع آخر، ناراً التهمت القديم وتركت مكانها إصراراً غريباً.

في أحد تلك الأيام، بينما كان المجتمعون يصلّون ويصومون، أخذت فكرة، أو شعور، أو ربما همسة روحية، تجتاح الجماعة. كان الأمر كما لو أن نسمة واحدة مرت على كل قلب فأدرك، دون كلمات واضحة في البداية، أن شيئًا ما على وشك الحدوث. ثم تجلّى الأمر. كان الروح القدس يتكلّم، ليس بصوت درامي، بل بذلك الإحكام الداخلي الذي يجمع القلوب قبل الألسنة. “افْرِزُوا لِي بَرْنَابَا وَشَاوُلَ لِلْعَمَلِ الَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ”. لم تكن الأوامر الصارخة هي لغتهم، بل كانت الدعوة الواضحة التي تشق طريقها وسط الصوم والصلاة.

فرَسمَ عليهم الأيدي، وهي ليست طقسًا فارغًا، بل كانت نقلًا للشركة، وتفويضًا بالسلطة، وإعلانًا عن أن هذه الرحلة هي امتداد لقلب الكنيسة نفسها. ثم انطلقا. كانت القدمان تحملانهم إلى السفينة، ولكن القلب كان يحمل عبءً ووعدًا. البحر الأبيض المتوسط لم يكن ماءً ولونًا فقط؛ كان صفحة من التاريخ والجغرافيا، يحمل ذكريات شعوب وتطلعات تجار ومخاوف بحارة. وفي رحلتهم تلك، كانت الرياح تعزف لحنًا قديمًا جديدًا.

وصلوا إلى سالاميس، في قبرص، تلك الجزيرة التي كانت كجوهرة في تاج البحر. هناك، بين شوارعها المزدحمة بأصوات لغات إمبراطوريات متعددة، أعلنا الكلمة في مجامع اليهود أولًا. لم يكن الأمر سهلاً؛ فالمجامع كانت أماكن للحفظ والترقب، وحضور رجلين من غير المعروفين يعلنان أن الترقب قد انتهى، كان يستدعي آذانًا مصغية وقلوبًا متحفظة في آن.

ثم جاءت اللحظة الفاصلة في بافوس. هناك، قابلوا رجلاً يدعى سيرجيوس بولس، الوالي الروماني، رجل العقل والسياسة. كان مستعدًا للاستماع، بل كان متعطشًا لسماع شيء ذي معنى يتعدى صخب الإدارة والضرائب. لكن في حاشيته كان يقف رجل آخر، اسمه باريشوع، لكنهم دعوه إليما، الساحر. كان ذلك الرجل يتلاعب بالظلال والكلمات الغامضة ليبقي الوالي تحت تأثيره، ليكون هو البوابة الوحيدة لعالم الغيب. رأى هذا الساحر أن نورًا جديدًا على وشك أن يجفف مستنقع نفوذه.

فحاول، بمكر من اعتاد الألاعيب، أن يصرف الوالي عن الإيمان. كانت كلماته ملتوية، تحمل ظاهر النصيحة وباطن الخوف. لكن شاول، الذي امتلأ في تلك اللحظة بالروح القدس على نحو خاص، نظر إليه نظرة اخترقت القناع. لم يكن غضبًا بشريًا، بل كان حزنًا مقدسًا على قلب اختار الظلمة بإرادته. قال له: “يَا مُمْتَلِئَ كُلَّ غِشٍّ وَكُلَّ خُبْثٍ، يَا ابْنَ إِبْلِيسَ، يَا عَدُوَّ كُلِّ بِرٍّ! أَلَسْتَ تَكُفُّ عَنْ تَعْوِيجِ طُرُقِ الرَّبِّ الْمُسْتَقِيمَةِ؟”. كانت الكلمات كسيف، ولكنها من نوع آخر، سيف يفصل الحق عن الباطل في المشهد نفسه.

ثم نطق بالدينونة: “وَالآنَ هُوَذَا يَدُ الرَّبِّ عَلَيْكَ، فَتَكُونُ أَعْمَى لاَ تُبْصِرُ الشَّمْسَ إِلَى حِينٍ”. وفي الحال، سقط الظلام. ليس ظلامًا مجازيًا، بل عتمة حقيقية أطبقت على عيني الساحر. كان يتحسس حوله، ذاهلاً، يطلب من يقوده بيده. في تلك اللحمة، تحول المشهد كله. الوالي، الذي رأى ما جرى، لم يكن رده الخوف من السحر الجديد، بل كانت الدهشة من السلطة التي تتحدث باسم الحق. فآمن، مندهشًا من تعليم الرب.

ومن هناك، انطلق الرجلان، شاول وبرنابا، إلى برّ آسيا الصغرى. وفي مدينة بيرجة، حدث تحول خفي آخر. أصبح شاول يُدعى “بولس”. لم يكن تغيير اسم فقط، بل كان إعلانًا عن الهوية الجديدة التي ستحمل الرسالة إلى العالم الأوسع. كانت الرحلة تستمر، والأقدام متعبة أحيانًا، والقلوب مثقلة أحيانًا أخرى، لكن هناك خيطًا من النور، خيط الوعد، كان يقود الخطى نحو مجهود مليء بالمخاطر والمجد.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *