الكتاب المقدس

شرائع في سهل موآب

كان الجوّ حاراً ثقيلاً في سهل موآب، حيث كانت آخر غيوم الربيع تتلاشى تحت شمس صيف كانت تعلن عن قدومها بحرّ لافح. اجتمع الناس تحت خيامهم المتفرقة وبين ظلال أشجار السنديان الشائكة، يستمعون. كان موسى، الشيخ الذي أضاءت لحيتُه البيضاء وجهاً صارماً كالصوان، واقفاً على منحدر طفيف تتكئ عليه عصاه. كلماته، ثقيلة كحجارة الوادي، تسقط على القلوب قبل الآذان.

“إذا كان بين رجلين خصومة، واقتدا إلى القضاء ليحكم بينهما، فأُثْبِتُ البارُّ، وأُدَانَ المذنب، فإن كان المذنب يستحق الضرب، فأُمِرَّه القاضي ويُضرب أمامه على قدر ذنبه بعدد…” توقف النبي، ونظر في الأعين المحدقة إليه. كان يعرف أن هذه التفاصيل، التي قد تبدو صغيرة، هي التي ستبني حياتهم في الأرض التي لم يدخلوها بعد. “أربعين يضربه، لا يزيد. لئلا إذا زاد على ذلك ضرباً كثيراً، يُهان أخوك في عينيك.”

من بين الجمع، نظر رجل اسمه أليعازر إلى يديه المتجبرتين، متذكراً شجاراً قديماً مع جاره على بئر ماء. كم كان يتمنى وجود مثل هذا الحكم العادل حينها.

ثم انتقلت الكلمات إلى أمور أخرى، أغرب على مسامع بعضهم. تحدث موسى عن الرجل الذي يموت دون أن يترك نسلاً، وكيف يجب على أخيه أن يأخذ زوجة الأرملة لينشر نسلاً لأخيه. “والبكر الذي تلده يقوم على اسم أخيه الميت، فلا يُمحى اسمه من إسرائيل.” سمعت هذه الكلمات امرأة تدعى تمار، كانت جالسة على حافة الجمع تلفّ على رأسها وشاحاً رقيقاً. كانت عيناها رطبتين بذكرى زوجها، الذي سقط في سيناء ولم يترك لها ولداً. كان لها أخٌ لزوجها، شابٌ اسمه يرد، لكنه كان يتجنب النظر إليها منذ أشهر. شعرت بثقل الواجب المقدس، وخفّته في آن معاً. كان اسم زوجها سيبقى، لكن قلبها كان خاوياً.

وتكلم موسى عما سيحدث إذا رفض الأخ أن يقوم بهذا الواجب. “فتصعد أرملة أخيه إلى الباب، إلى الشيوخ، وتقول: قد أبى أخو زوجي أن يقيم لأخيه اسماً في إسرائيل. لا يشاء أن يقوم لي بأخوّة الزوج.” وصَفَ الطقس الغريب المهين، حيث تُخلع نعل الرجل الممتنع وتُبصق في وجهه، ويُقال له: “هكذا يفعل بالرجل الذي لا يبني بيت أخيه.” واسمه من ذلك اليوم فصاعداً سيكون “بيت مخلوع النعل”. همس رجل جالس بالقرب من تمار: “العار أقسى من الموت في هذه البرية.” فهمست هي في نفسها: “وأيّ قلب يتحمل أن تُصبح قرينته رمزاً للفرض والواجب فقط؟”

ثم، كأنما ينتقل من قدسية البيت إلى حماسته الوحشية، ذكر موسى أمراً غريباً عن امرأة تتدخل في شجار زوجها مع رجل آخر فتُمْسك بعورة خَصْمه. “فَتُقْطَعُ يَدُهَا، ولا تُشْفَقْ عَيْنُكَ.” ارتعشت بعض النساء. تصورن غبار المعركة، وصياح الرجال، ووهن الأنثى الذي يدفعها لحماية من تحب بأي ثمن، ثم عقاباً قاسياً صارماً. كانت الشرائع تحيط بهم من كل جانب، تلمس حياتهم من أعمق أعماق الأسرة إلى حمأة الشجار في السوق.

وتحت الشمس المائلة، تناول النبي أمراً يبدو عادياً ولكنه جوهري. “لا يكن في جيبك وزنان، كبيرة وصغيرة. لا يكن في بيتك إيفاً وإيفة، كبيرة وصغيرة.” نظر أحد التجار، واسمه حننيا، إلى كيس الموازين الجلدى الذي كان معلقاً على حزامه. تذكر كيف كان، قبل سنوات، يحتفظ بوزن صغير للشراء وآخر كبير للبيع. كان الربح قليلاً، لكنه كان يتراكم. صوت موسى قطع تأملاته: “ميزان كامل وأوفاق كاملة تكون لك… لأن كل من يعمل هذه، كل من يعمل بالإثم، هو رجس لدى الرب.”

شعر حننيا بحرارة تخجله تغطي وجهه، كأن الشمس اكتشفت سرّه القديم.

وفي نهاية اليوم، عندما بدأت حمرة المساء تلون أطراف السماء، رفع موسى صوته للمرة الأخيرة. لم يعد يتكلم عن موازين أو أعراس أو ضربات. صار صوته كالرعد البعيد يحمل ذكرى أليمة. “اذكر ما فعله بك عماليق في الطريق، عند خروجك من مصر… فمحوُ تَذكر عماليق من تحت السماء. لا تنسَ.”

سكتت الجماهير. سمعوا همسة الريح في السهل. تذكّر الشيوخ الذين كانوا شباباً يومها الذعر، والضعف، والمذبحة عند رفيديم، حين انقض عماليق على المتخلفين، الضعفاء، المنهكين في مؤخرة الجموع. تذكر كل واحد خسارة، صديقاً أو قريباً، ذُبح وهو عاجز عن المقاومة. كانت هذه ليست شريعة للمعاملة، بل شريعة للذاكرة. شريعة تطلب منهم أن يكونوا أقوياء كي لا يتكرر الذل.

انصرف الناس إلى خيامهم ببطء. حمل أليعازر معه فكرة العدل المحدد، الذي يحفظ الكرامة حتى للمذنب. ومشت تمار وحيدّة، تحمل في صدرها ثقلاً من الواجب والرجاء والخوف. وكان حننيا قد عقد العزم، بينه وبين نفسه، على أن يصنع موازين جديدة غداً، دقيقة ومتساوية. وأبقت عيون الشيوخ تتطلع نحو الجنوب، حيث تقع صحراء سيناء، كما لو كانوا يبحثون عن أشباح أعداء لم يغادروا ذاكرتهم بعد.

وفي الخيام، تحت ضوء المصابيح الخافتة، بدأت القصص تُحكى. قصص عن عدل قد يبدو قاسياً، وعن طقوس قد تبدو غريبة، وعن أوزان يجب أن تكون مستقيمة. كانوا ينسجون، بكلماتهم وتأملاتهم، نسيجاً جديداً من الحياة، مبنيّاً على شرائع أرادت أن تلمس كل شيء: من حبة القمح في الميزان إلى اسم الرجل الميت الذي يجب أن يستمر، من كرامة الجسد حتى في العقاب إلى ذكرى الظلم الذي لا يجب أن يُمحى. كانت الأرض الجديدة تنتظرهم، وهذه الكلمات كانت البذور التي سيغرسونها فيها.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *