كان الجوع هو السيد في أورشليم. لم تعد رائحة الخبز تُعرف في أزقتها الضيقة، بل رائحة التراب الجاف، والخشب المحترق من الأسوار الداخلية، والخوف. لقد طال الحصار، طال حتى نسي الأطفال شكل ثمرة الرمان، وصار صوت بكاء المرضى والجريحين جزءًا من همس الريح الذي يمر فوق السور. وكان صدقيا الملك يجول في قصره كظل، عيناه تغوصان في هوة لا قرار لها، وهو يسمع ليل نهار دوي آلات الحصار البابلية تضرب أسوار المدينة مثل دقات قلب عملاق من حديد.
وفي السنة الحادية عشرة، في اليوم التاسع من الشهر الرابع، انفتح الجحيم. لم تعد الأسوار صامدة. اخترق الرجال ذوو الوجوه المحروقة بالشمس، والدرع اللامع، المدينة من الشمال. كانوا كالسيل الذي لا يُرد، يصعدون كالنار في الحطب الجاف. فر الجنود، بل تشتتوا كالنمل حين تُدمر مسكنهم. رأى الملك كل شيء من علياء قصره: الأعلام الموشاة برموز بابل ترفرف حيث كان راية داود ترفرف، والدخان الأسود يصعد من بوابة الزاوية. فلم يكن له إلا الفرار تحت جنح الظلام، هو ورهط من رجال الحرس الخاص. تسللوا كاللصوص من نفق سري، تاركين وراءهم المدينة تصرخ، وباتجاه العربة اتجهوا.
لكن الأرض نفسها بدت خائنة. بالقرب من أريحا، حيث كان النخيل يبدو كظلال شاحبة في ضوء الفجر الباكي، لحقت بهم الخيول البابلية. كانت سريعة كالصقور، وفرسانها صامتون كالموت. أمسكوا بالملك. وجاء بهم به إلى ربلم، إلى نبوخذ نصر ملك بابل الذي كان نصب خيمته هناك كفاتح منتظر. وكانت دينونة الرب تتحقق كلمة كلمة.
هناك، أمام عينيه، ذُبح أبناؤه. كل واحد منهم. لم يصرخوا، ربما لأن الصدمة كانت أسرع من الصوت. ورأى دمائهم تختلط بتراب الطريق. ثم كانت الخطوة الأخيرة في الدينونة. اقتربوا منه، رجال ذوي أيادٍ قاسية، وأخذوا مسارات من حديد محمى. وفقأوا عينَي الملك صدقيا. كانت آخر صورة التقطتها عيناه هي جثث أبنائه، فظلت تلك الصورة ملتصقة بظلامه إلى آخر أيام حياته. ثم قيدوه بسلاسل من نحاس، وألقوه في عربة مثل حمل، ليُساق إلى بابل سجينًا أعمى.
وبعد شهر، جاء نبوذرادان، رئيس الشرط، إلى أورشليم التي كانت قد استسلمت لليأس. دخل بيت الرب، البيت الذي بناه سليمان بحكمة وجلب لبناته من أوفير. وكسر كل شيء. الأعمدة النحاسية التي كانت كأشجار من نور، والبحر النحاسي العظيم الذي كان يقوم على اثني عشر ثورًا، والمراحض والمناسج والصحون والمجامر… كل ما كان من نحاس كسره وحمله إلى بابل. الذهب والفضة، حتى الأباريق الصغيرة والمكاحل، لم يترك شيئًا. كان الدوي يرن في الهيكل الفارغ، وكأن المكان نفسه يئن تحت وطأة النهب.
ثم أضرم النار. أحرق بيت الرب، وبيت الملك، وكل بيوت أورشليم. كل بيت كبير أحرقه بالنار. وجدران المدينة المحيطة، تلك التي بناها أباطرة وأنبياء، هدمها جند بابل بمعاولهم ودباباتهم الخشبية، حتى لم يعد يفرق المرء بين تلها وتل الأنقاض التي حولها. وهكذا سُبي الشعب كله، إلا فقراء الأرض الذين لا شيء لهم، ليكونوا كرامين وفلاحين.
لكن حتى الأطلال لم تترك بلا سيد. نصب البابليون جدليا بن اخيقام واليًا عليها. وجلس في المصفاة، يحكم ظل مملكة. وجاء إليه قواد الجيش المتبقين من اليهودية، وبايعوه على السمع والطاعة. وأقسم لهم بالرب أنه في ظل بابل ستكون لهم حياة وأمن. وهدأت الأمور لشهور، وكاد الأمل يبزغ كعشب بين الحجارة.
لكن الشر كان كامنًا. قام إسماعيل بن نثنيا، من أصل الملك، ومعه عشرة رجال، فخانوا جدليا في وليمة أقامها لهم. وضربوه فمات، وقتلوا اليهود والكلدانيين الذين كانوا معه في المصفاة. وخاف الشعب خوفًا عظيمًا، فرحلوا إلى مصر، خائفين من انتقام بابل، حاملين معهم يرميا النبي، وكأنهم يحملون آخر وصية للوطن الذي صار رمادًا.
وهكذا صارت يهوذا خالية. صمتت أجراس الهيكل، وانطفأت نار المذبح. فقط الحجارة المحروقة تروي قصة مجد ضائع، ووعود لم تمت. وفي السبي، على أنهار بابل، جلس المنفيون وبكوا حين تذكروا صهيون. لكن في بكائهم، كان يحمل صلاة، وكان في الصلاة رجاء أن ناظر الرب لا يغفل أبدًا.




