كان الجوّ في أورشليم يشبه خليطاً من تراب مقدسٍ ووهج شمسٍ آيلةٍ للأفول. كان الربيع قد انتشر على التلال المحيطة، وحملت نسمات نيسان الأخيرة عبق الزعتر البري وصدى أصواتٍ لا تهدأ. ففي أروقة الهيكل وساحاته، كانت ثمة حركةٌ لم تشهدها المدينة منذ أيام سليمان الحكيم. كان الملك يوشيا، ذلك الشاب ذو العينين الثاقبتين والوجه الذي صقله الإيمان والتقوى، قد أصدر أمره. لقد قرأ في سفر الشريعة الذي وُجد في الهيكل، فاشتعل قلبه حماسةً لأن يعيد للرب عيد الفصح كما لم يُعمل منذ أيام صموئيل النبي.
لم يكن الأمر مجرد طقوسٍ تُقام. فقد بدا يوشيا وكأنه يحاول أن يجمع شتات زمانٍ مضى، أن يصل ما انقطع بين السماء والأرض. فاستدعى كل شيوخ يهوذا وأورشليم، ووقف أمامهم في ساحة الهيكل وصوته يرتفع فوق همهمة الحاضرين: “إن عيد الفصح هذا ليس ذكرىً نتحلى به، بل هو عهد نحياه. لقد نسي أجدادنا، وتاه آباؤنا. ولكن اليوم، نعود.”
وهكذا ابتدأت الأيام التي تملأ النفس رهبةً وبهاء. أولاً، أمر يوشيا الكهنة واللاويين، خدّام بيت الرب، أن يضعوا التقدمة المقدسة في الهيكل، كي يكونوا أحراراً لخدمة الرب وشعبه. كانت كلماته لهم كالنار: “لا تحملوا أثقالاً دنيويةً وأنتم تهمّون بحمل أثمن هدية: مصالحة الشعب مع خالقه.” فنظر بعض الكهنة القدامى إلى بعضهم، وتذكروا أيام حزقيا، فامتلأت عيونهم دموعاً صامتة.
ثم كان مشهدٌ عجيب. جاء اللاويون، أولئك المعلمون والخدام، من كل أسباط إسرائيل المتبقية، وحملوا معهم غبار الطرق وذكرى السبي القريب. ووقفوا في الدار، والحيوانات تُساق أمامهم: خرافٌ ومعزٌ، وأبقارٌ سمينة، كلها لتكون ذبائح سلامة للشعب. كان عددها يزيد عن كل عَدّ، حتى أن البعض ظن أن قطعان الأرض كلها قد حُشرت إلى أورشليم. وكان الكهنة ينهضون من الفجر، وهم يملأون أيديهم من الدم المقدس ليرشوه على المذبح، بينما يقشّر اللاويون جلود الذبائح، ويتلألأ عرقهم تحت الشمس مع جهد العمل المقدس.
أما يوشيا نفسه، فلم يكن رجلاً يجلس على عرشه ويصدر الأوامر. لقد نزل بنفسه. تخلّى عن رداء الملك الأرجواني، وارتدى ثوب كتّانٍ بسيط مثل أصغر اللاويين. ووقف يوزع من قطعان ملكه الخاصة: من الغنم والجداء والمعز، آلافاً مؤلفة، ليكونوا ذبائح للشعب حسب عائلاتهم. كان وجهه متورداً من الحركة، ولكن عينيه كانتا تشعان بفرحٍ عميق، فرح إنسانٍ وجد طريقاً ضائعاً. وكان الشعب، من بائعي الزيتون في الجنوب إلى رعاة الجبال في الشمال، يأتون بأطفالهم وحزم أعشاب المرّ والحزنبل، ويقفون في طوابير طويلة، تتحدث فيها النساء عن معجزات الخروج من مصر كما لو كانت أمس، ويصرخ الأطفال فرحاً بمنظر الحملان.
وفي اليوم الرابع عشر من الشهر، عند الغروب، عمّ صمتٌ مفاجئ أورشليم. صمتٌ تسمع فيه هدير النار تحت قدور النحاس، وصمتٌ يسبق العاصفة. ثم، في لحظة واحدة، رُفع صوت البوق. فانكسر الصمت بصرخة جماعية، صرخة شكرٍ وذكرىٍ وتوبة. ورفع كل رأسٍ من الشعب يده بسكينٍ على حلق حمل الفصح. كان صوت الذبح متواصلاً كأمواج البحر، ودبّ الرعب المقدس في قلوب الجميع. هنا تذكروا أن الفداء ليس مجرد كلمة، بل هو دمٌ يسيل، وحياةٌ تُبذل.
وظل الكهنة واللاويون يعملون ليلاً ونهاراً. بعضهم كان يشوي اللحم على النار، وبعضهم يسرع بنقل الذبائح من مكان إلى آخر، وبعضهم يقود التسبيح بالعادلات والرباب. وكانت أغانيهم تتصاعد مع دخان الذبائح: “إلى الرب في الضيق دعوت فاستجاب لي.” وكان يوشيا ينتقل بين الجميع، يشجع هذا، ويوجه ذاك، وكأن روحاً أخرى حلّت فيه.
واستمر العيد سبعة أيام. سبعة أيام أكل فيها الغني والفقير من نفس اللحم، وذكر الجميع أنهم كانوا عبيداً في أرض مصر. ولم يُعمل فصحٌ كهذا في إسرائيل منذ أيام القضاة. حتى أن الكهنة أنفسهم، وهم الذين رأوا كل شيء، لم يستطيعوا أن يحسبوا عدد الذبائح التي قدموها بأيديهم.
لكن في قلب هذا الجمال، كانت هناك نغمة حزن خفية. فبينما كان يوشيا يسير بين خيام الشعب في اليوم الأخير، التفت إلى كاهنه الأكبر وقال همساً: “أتعلم؟ كل هذا الجمع، كل هذا الذبح، كل هذه التوبة… أحياناً أخالها كرداء جميل يغطي جرحاً غائراً. النبوة تقول أن الغضب لم يرفع بعد.” وكانت عيناه تنظران نحو الشمال، حيث كانت مملكة أشور العظيمة تترنح، ومملكة بابل الجديدة تنتفخ كالسحابة السوداء في الأفق.
فأجابه الكاهن بصوتٍ خافت: “الرب عادل. وهو يرى القلب. ربما هذه الأيام ستكون لنا درعاً حين تأتي الأيام الصعبة.”
لكن يوشيا هز رأسه، وكأنه يرى شيئاً لا يراه الآخرون. “الفصح يذكرنا أننا غرباء في هذه الأرض. وأن خلاصنا النهائي، سيأتي ربما بحملٍ آخر، في زمانٍ آخر.”
ثم انتهى العيد. نزل الشعب من أورشليم إلى قراهم وهم يحملون في قلوبهم شيئاً من السلام، وفي عيونهم بصيص رجاء. وذهب يوشيا إلى قصره، وقد غبرت ثيابه وكلّ جسده، لكن روحه كانت أخف من ريشة.
ولكن القصة، كما دوّنها الكاتب القديم، لم تنتهِ بهذا المشهد المهيب. فبعد سنوات، حين خرج يوشيا ليواجه فرعون نخو في مجيدو، كانت نبوة خلودا النبية تدور في أذنيه: “لأني قد جُمعت إلى قبري بسلام، ولن ترى عيناي كل الشر الذي أجلب على هذا المكان.” فخرج بإيمان، ولكنه سقط بسهمٍ غادر. وحملوه من مجيدو على مركبة، ومات في أورشليم.
لكن الذين عاشوا تلك الأيام السبعة من الفصح العظيم، لم ينسوا أبداً. كانوا يحدثون أحفادهم: “كان هناك وقت، رأينا فيه السماء مفتوحة، ورأينا ملكاً جعل نفسه خادماً للكل. ورأينا كيف أن الطاعة، حتى ولو للحظة، هي أجمل ما يمكن أن تقدمه الأرض للسماء.” وظلت رائحة اللحم المشوي، وصوت التسبيح، وصورة يوشيا وهو يحمل الحطب بنفسه، محفورة في ذاكرة الأمة، كنبؤةٍ مصوّرة عن فصحٍ آتٍ، لا يعرفه زمن، ولا يحدّه مكان.




