وفي اليوم التالي لشنق هامان، كان الهواء في ساحات قصر شوشان لا يزال ثقيلاً برائحة الخوف. رغم زوال المصدر، ظل الظل مطولاً على وجوه اليهود في كل ولايات الملك أحشويروش. فالمرسوم الأول، ذلك الختم الملكي الذي لا يُرجع، كان لا يزال سارياً كسيف معلق فوق رقابهم. وفي حجرات النساء، جلست أستير الملكة، والبرد الذي لا يرحم يتسلل إلى عظامها ردف حريرها. لم يكن الخلاص كاملاً بعد.
أرسلت إلى مردخاي، عمها، الذي صار الآن خاتم الملك على يده. جاء مردخاي بلحيته الممشطة وبعينين تعرفان ثقل المسؤولية. كانت ثيابه البسيطة تناقض العظمة التي أحاطت به. قال لها: “الشر المخطط قد انكسر، ولكن حبل المشنقة لا يزال منصوباً. الكلمات التي كتبت باسم الملك لا تموت بموت كاتبها.”
فهمت أستير. نهضت، وحريرها يهمس على الرخام، وتوجهت إلى الديوان الملكي حيث يجلس أحشويروش. كان عرشه منحنياً من العاج والذهب، ولكن عينيه حملتا نظرة لم تكن هناك من قبل: نظرة رجل أدرك كيف كادت المؤامرة تلفه هو أيضاً. عندما سقطت على ركبتيها، مد يده بقضيب الذهب قبل أن تلمس الأرض.
“ما طلبك أيها الملكة أستير؟ سيُعطى لك. وما مرسومك؟ حتى ولو نصف الملك، سينفذ.”
كان صوتها خافتاً لكنه واضح، كقطرة ماء في صمت القاعة: “إن حَسُنَ عند الملك، ولحقتني نعمته، فليُكتب ليردّ الكتب التي كتبها هامان بن همداثا الأجاجي، التي خطّ بها لإهلاك اليهود الذين في جميع بلاد الملك. لأن كيف أقدر أن أنظر إلى الشر الذي يصيب شعبي؟ وكيف أقدر أن أنظر إلى هلاك عشيرتي؟”
نظر الملك إلى مردخاي الواقف عند الباب، رأى الخاتم على يده، ورأى الإخلاص في عينيه. أدرك أن الحكمة لم تكن في قصر الملك، بل في قلب رجل جلس عند باب الملك يحفظه من الغدر. فقال لأستير ومردخاي: “ها قد أعطيتُكم سلطاناً أن تكتبوا عن اليهود كما تحسنون، باسم الملك، وتختموا بخاتم الملك. فالكتابة التي تكتب باسم الملك وتُختم بخاتم الملك لا تُرجع.”
فاجتمع الكتبة في اليوم الثالث من شهر سيفان، حين كان الربيع يتنفس آخِر أنفاسه ويستعد للصيف. جلسوا في القاعة المفتوحة حيث الضوء يتسلل من الشبابيك العالية. مردخاي بينهم، يُملي والكلمات تأتي مترابطة كسلسلة من حديد. لم تكن مجرد رسالة مضادة؛ بل كانت شرعة حياة. أعطى لليهود في كل ولاية، في كل شعب، في كل لغة، الحق بأن يجتمعوا ويقفوا لينفّذوا حماية أنفسهم. أن يهلكوا كل قوة من شعب أو ولاية تضطهدهم، مع النساء والأطفال، وينهبوا أملاكهم. وكان اليوم معيناً: هو اليوم الثالث عشر من شهر آذار، اليوم نفسه الذي اختاره هامان للهلاك، صار يوماً للخلاص.
انطلق المراسلون على خيول سريعة، من خيل الملك المختارة، راكبين بكل عجل، مُلْهِبين بالأمر الملكي. عبروا الأنهار والجبال، من الهند إلى كوش، مئة وسبعاً وعشرين ولاية. والناس في الطرق يتطلعون إليهم وهم يمرون كالريح، متسائلين: أي خبر هذا الذي لا يحتمل التأخير؟
وعندما وصلت الكتب إلى اليهود في شتى البلدان، لم يكن الفرح هو أول ما حلّ عليهم. بل كان صمتاً عميقاً، ثم بكاءً حراً كالمطر بعد قحط. رفعوا الطومارات بين أيديهم المرتعشة، وقبلوا كلماتها. ثم انقلب الحزن إلى نور. أضاءت وجوههم، وانتشر عيد وفرح وفرحان. كثيرون من شعوب الأرض خافوا ورأوا أن نعمة الله على هذا الشعب عظيمة، فانضموا إليهم وتقالّدوا دين اليهود، لأن رعب مردخاي قد وقع عليهم.
وأما مردخاي نفسه، فخرج من عند الملك بلباس ملكي أزرق وأبيض، ورداء من بوص أرجواني، وتاج ذهب عظيم. فكانت شوشان المدينة تهلل وتبتهج. ولليهود كان نور وفرح وبهجة وكرامة. وفي كل ولاية، وفي كل مدينة، حيث بلغهم أمر الملك وفرمانه، كان لليهود فرح وبهجة ووليمة ويوم طيب. واستراحت قلوب شعب الله، وعرفوا أن يداً أقوى من أي ملك، وأعمق من أي مؤامرة، كانت تحرسهم في الظلام، وتخرجهم إلى النور.




