والآنَ أَصْبَحْتُ نُكْتَةً بَيْنَ هؤُلاءِ، أَغْنِيَةً عَلَى أَفْوَاهِهِم. يَحْتَقِرُونَنِي، يَتَبَاعَدُونَ عَنِّي، وَلَا يَمْنَعُهُمْ وَجْهِي مِنْ بَصْقِ هَوَاءِ الأَرْذَالَةِ عَلَيَّ. هؤُلاءِ الَّذِينَ كُنْتُ أَسْتَحْيِي أَنْ أَجْعَلَ آبَاءَهُمْ مَعَ كِلَابِ غَنَمِي، هؤُلاءِ الْقَوْمُ الَّذِينَ أَبْيَضَّتْ قُوَّتُهُمْ مِنَ الْجُوعِ، فَكَانُوا يَقْطَعُونَ الْفَلاةَ مُنْحَنِينَ، يَنْتَشِلُونَ الْأُوقْيَاتَ مِنْ بَيْنَ الشَّوْكِ، وَجُذُورُ الْعَرْعَرِ طَعَامُهُمْ. مِنْ بَيْنِ الصُّخُورِ كَانُوا يَصْرُخُونَ، تَحْتَ الْحَصْبَاءِ الْبَارِدَةِ يَتَجَمَّعُونَ، أَبْنَاءُ الْحَمَاقَةِ، أَبْنَاءُ لَا اسْمَ لَهُمْ، طُرِدُوا مِنَ الْأَرْضِ كَاللُّصُوصِ.
وَأَمَّا الآنَ، فَقَدْ صِرْتُ لَهُمْ نَغْمَةَ سُخْرِيَةٍ. أَنَا مَوْضِعُ حَدِيثِهِمْ. يَكْرَهُونَنِي، يَبْتَعِدُونَ عَنِّي، وَلَا يَتَوَقَّفُونَ عَنِ الْبَصْقِ فِي جِهَتِي. لَقَدْ حَلَّتْ رُوحُهُ عَلَيَّ فَأَرَاقَ كُلَّ كَرَامَتِي، وَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ زِمَامَ قَلْبِي فَذَلَّلَنِي.
تَتَقَدَّمُ الْمِحْنَةُ نَحْوِي كَجَيْشٍ مُنَظَّمٍ، تَكْسِرُ طَرِيقَ نَجَاتِي، وَتَهْبِطُ عَلَيَّ كَالْجَارِفِ الْعَظِيمِ. تَنْقَلِبُ عَلَيَّ الْأَهْوَالُ، تَطْعَنُ كَرَامَتِي كَالرِّيحِ الْعَاصِفَةِ، وَتَجْرُفُ رَجَائِي كَغُبَارٍ فِي نَسِيمٍ لَاهِثٍ.
وَالْآنَ تَذْوَى نَفْسِي فِي دَاخِلِي، وَأَمْسَكَتْ بِي أَيَّامُ الْعَنَاءِ. اللَّيْلُ يَخْرُقُ عِظَامِي وَيَسْحَبُهَا مِنْ مَكَانِهَا، وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَا تَسْتَرِيحُ تَأْكُلُ جَسَدِي. بِعُنْفٍ يَلْبَسُنِي رِدَاءِي، يُضَائِقُ خَصْرِي كَقَمِيصِ الْعِنَاءِ. أُطْرَحُ فِي الْوَحْلِ فَأَشْبَهُ التُّرَابَ وَالرَّمَادَ.
أَصْرُخُ إِلَيْكَ فَلَا تَسْتَجِيبُ لِي، أَقِفُ أَمَامَكَ فَتَصْرِفُ وَجْهَكَ عَنِّي. قَدْ تَحَوَّلْتَ إِلَيَّ بِقَسْوَةٍ، وَبِقُوَّةِ يَدِكَ تَتَهَكَّمُ عَلَيَّ. تَرْفَعُنِي إِلَى صَهْوَةِ الرِّيحِ فَتُذِيبُنِي، وَتُذِيبُ كُلَّ تَرْكِيبَتِي فِي زَوْبَعَةِ الْعَاصِفَةِ.
أَعْلَمُ أَنَّكَ إِلَى الْمَوْتِ تَذْهَبُ بِي، وَإِلَى بَيْتِ اللِّقَاءِ لِكُلِّ حَيٍّ. وَلَكِنْ أَلَيْسَ فِي الْهَلاَكِ يُمَدُّ يَدَهُ؟ أَوَ فِي الشِّدَّةِ إِذَا نَزَلَتْ بِهِ لَا يَسْتَغِيثُ؟ أَلَمْ أَبْكِ عَلَى مَنْ عَانَى يَوْمًا قَاسِيًا؟ أَلَمْ تَكُنْ نَفْسِي تَتَأَلَّمُ لِلْفَقِيرِ؟ وَإِذَا انْتَظَرْتُ الْخَيْرَ فَجَاءَنِي الشَّرُّ، وَإِذَا اشْتَقْتُ إِلَى النُّورِ فَأَقْبَلَ الْظَّلامُ الدَّامِسُ، فَأَحْشَائِي تَغْلِي وَلَا تَسْكُنُ، تَسْبِقُنِي أَيَّامُ الْبَلَاءِ.
أَمْشِي فِي الْحِسَابِ وَغَيْرُ مُحْتَسِبٍ، أَقُومُ فِي الْجَمَاعَةِ وَأَنَا صَارِخٌ. أَخٌ صِرْتُ لِلتَّنَاعِيرِ، وَرَفِيقٌ لِبَنَاتِ الْبُومِ. جِلْدِي اسْوَدَّ وَتَسَاقَطَ عَنِّي، وَعِظَامِي احْتَرَقَتْ مِنْ حَرّ الْأَلَمِ. فَآلَمُ مِنْ قيثَارَتِي إِلَى نَائِحَتِي، وَصَوْتِي مِنْ عُودِي إِلَى بُكَاءِ الْحَزِينِ.
لِأَنَّنِي عَلِمْتُ أَنَّكَ إِلَى الْهَلاَكِ تُرْسِلُنِي، وَإِلَى بَيْتِ الْمَجِيعِ لِكُلِّ حَيٍّ. هَا إِنَّهُ لَمْ يُشْفِقْ عَلَى الْفَقِيرِ، وَلَمْ يُحَافِظْ عَلَى عَيْنَيْ الْمَسَاكِينِ. وَأَنَا… أَنَا الْآنَ صِرْتُ مِثَالاً لَهُمْ، قِطْعَةَ قُمَاشٍ يَتَدَرَّعُونَ بِهَا فِي ظُلْمَةِ سُخْرِيَتِهِمْ. يَهْتَزُّونَ لِأَجْلِي رَأْسًا، كَمَا يَهْتَزُّونَ لِرُؤْيَةِ نَذِيرِ شُؤْمٍ فِي الْقَفْرَاءِ. وَأَنَا، فِي وَسَطِ هَذَا كُلِّهِ، أَبْقَى مُشَدَّدَ الْعَيْنَيْنِ إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي صَارَتْ نُحَاسًا، وَإِلَى الْأَرْضِ الَّتِي لَفَّتْنِي كَالتَّابُوتِ. أَسْأَلُ: أَيْنَ هُوَ الرَّجَاءُ إِذَنْ؟ وَالرَّجَاءُ نَفْسُهُ يَهْرُبُ مِنْ أَمَامِي كَالْمَاءِ الْجَارِفِ.




