الكتاب المقدس

صلاة النصر في يوم الضيق

كان اليوم باردًا حين انتصب أبيمالك الكاهن في دار الهيكل، والضباب الرفيع يُزيح عن أورشليم غطاءه مع أولى خيوط الفجر. كانت حجارة الساحة الرطبة تلمع تحت أقدام الحاشدة التي تدفقت كالنهر، رجالاً ونساءً، شيوخًا وأطفالاً، وجوههم مشدوهة نحو المذبح حيث كان الفتى اللاوي يعدُّ حمل الفجر. لم يكن يوم عيدٍ أو محفل، بل كان يوم ضيق. فقد تحرك جيش آرام من الشمال، كالسيل الجارف، وبلغت طلائعه مشارف يزرعيل، والملك شاول هناك، في خيمته الحربية، يستعد للمواجهة وهو محاط بزمجرة الأعداء.

رفع أبيمالك يديه، وارتفع صوته الخشن المليء بوهج السنوات والتأمل، ليقطع صمت الانتظار الرهيب: “لِيجِبْكَ الرَّبُّ فِي يَوْمِ الضِّيقِ!” كانت الكلمات تُطرق الهواء كالنقّاس. التهبت عيون الشعب وهم يرددون بخشوع: “آمين”. رأى الكاهن في عقل قلبه صورة الملك شاول، ذلك الرجل الطويل القامة، الشديد المراس، الذي قد يضع ثقته في مركباته الحديدية وفي بأس جنده. ولكن الصلاة اليوم كانت لشيء آخر. “لِيرْفَعْكَ اللهُ! لِيُرْسِلْ عَوْنَكَ مِنْ قُدْسِهِ!” تابع أبيمالك، وكان البخور يرتفع من المجمرة الذهبية، متشابكًا مع دعوات القلوب، رائحته ثقيلة وحلوة، تملأ الفضاء بين الأرض والسماء.

على بعد أميال، في معسكر جلبوع، كان شاول واقفًا على تلّة تطل على سهل متسع. الريح تحمل رائحة التراب البللي وعرَق الخيول. سمع في روحه، وكأنها أصداء بعيدة، دويَّ الصلاة القادمة من المدينة. لم يكن رجل صلاةٍ بالمعنى التقليدي، فقد انشغل كثيرًا بصراعات الملكوت. لكن في تلك اللحظة، بينما كان قادة الألوف يعرضون عليه خطط الهجوم، شعر بشيء غريب: كأن حجارة صدره الثقيلة قد خفَّت قليلًا. تذكر ذبيحة الصباح، تلك الذبيحة التي أوصى بها قبل مسيره، وتذكر وجه صموئيل النبي القديم في يوم مسحته. “مِنْ هَيْكَلِ قُدْسِهِ لِيَعْضُدْكَ!” كان هذا هو الشق الثالث من الصلاة التي لم يكن يسمعها بأذنيه، لكنها اخترقت حواجز المكان.

عاد أبيمالك في أورشليم ليُتمَّ المزمور، وصوته يعلو وينخفض كأمواج بحر داخلي: “لِيَذْكُرْ كُلَّ تَقْدِمَاتِكَ، وَلِيقْبَلْ مُحْرَقَاتِكَ!” وكان الشعب يردد خلفه، ليس كجوقة منظّمة، بل كهمسات متفرقة، كأنين، كابتهال. امرأة عجوز تمسك بوشاحها وتهمس باسم ابنها في الجيش. شاب يتضرع من أجل أبيه. لقد قدَّموا في الأيام الماضية ما استطاعوا من زيت ودقيق، ذبائح سلامة واعتراف. الآن، كانوا يلتمسون أن تتذكر السماء إخلاصهم، ولو كان ناقصًا.

ثم جاءت القفلة، كالطبل في المعركة، بصوت الكاهن وهو يهتف بالوعد الإلهي: “نَحْنُ نَبْتَهِجُ بِخَلاَصِكَ، وَنَرْفَعُ رَايَتَنَا بِاسْمِ إِلهِنَا. لِيُحَقِّقِ الرَّبُّ جَمِيعَ مَسَائِلِكَ!” هنا، حدث شيء ما. لم يكن مجرد ختام لصلاة. بل كان التحول من الدعاء إلى التهليل، من الخوف إلى اليقين. ابتسمت شفاه كانت مضغوطة، وانتعشت قلوب كانت مرتعشة. هم لا ينتظرون نصر شاول فقط، بل “خلاص” الرب. الفرق شاسع. النصر قد يأتي بالسلاح، لكن الخلاص يأتي بالنعمة.

وفي جلبوع، قرر شاول أمره. ألغى خطة الهجوم المباشرة التي تعتمد على الكمّ والعدة. بدلاً من ذلك، أرسل كتائب خفيفة تحت جنح الظلام لتقطع خطوط إمداد الآراميين. كان تحركًا غير متوقع، يحمل روح المكر أكثر من روح المواجهة. وعند الفجر، حين هجم الآراميون، وجدوا أن قوتهم قد تشتت، وخيولهم قد اضطربت، وأمراؤهم في حيرة. لم تكن معركة عظيمة، بل كانت ارتباكًا مفاجئًا انتهى بانسحاب العدو، مخلّفًا وراءه أمتعته وأسلحته.

عندما عادت الأنباء إلى أورشليم، لم يهتف الشعب أولاً لذكاء الملك أو شجاعة الجنود. بل تجمعوا عند الأبواب، ورفع أبيمالك صوته مرة أخرى، لكن هذه المرة بالشكر: “الرَّبُّ يُخَلِّصُ مَسِيحَهُ! يَسْتَجِيبُ لَهُ مِنْ سَمَاءِ قُدْسِهِ، بِجَبَرُوتِ خَلاَصِ يَمِينِهِ!” كان التركيز على “مسيحه”، على الممسوح من الرب. النصر لم يكن ملكًا لبشر، بل كان ردًّا سماويًّا على مسحة مقدسة، على عهد.

وبين الجموع، وقف ذلك الفتى اللاوي الذي أعدَّ الحمل في الصباح. كان ينظر إلى البقايا المتصاعدة من البخور. تذكر كيف أن النار التهمت الذبيحة بأكملها، مقبولة. وفهم، في قرارة نفسه، أن الصلاة الحقيقية ليست مجرد كلمات تُقال، بل هي ذبيحة كاملة تقدم القلب لله. وأن النجاة، في يوم الضيق، لا تأتي من قوة الخيل أو بأس الفرسان، بل من عين الرب التي ترعى على خائفيه، ومن ذكرى تقادمهم الضعيفة، التي قبلها نعمةٌ لا تُقاس.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *