كان الظلام ينسحب كأنه ثوب بالٍ، تاركاً وراءه حُمرة خجولة على حافة الأفق. جلستُ على حجر أملس بباب الكوخ، وقدّاحتي من خشب الزيتون بين يديّ. لم يكن في الصحراء سوى صوت الريح العابرة، حاملةً عبق الأرض الباردة بعد ليلة طويلة. فتحت لفافة الجلد، وأعادتني تلك الكلمات إلى أيامي الأولى: “كَلاَمُ أَجُورَ بْنِ مَاكَةَ. الْوَحْيُ.”
تنهدت. أي وحى هذا الذي يصل بعد كل هذه السنين؟ لستُ نبياً، ولا ابن نبي. رجل عاصر التعب، ورأى مجد الملوك وذُلَّ المساكين. لكن في صمت الصباح هذا، كأن تلك الكلمات تنبض من جديد.
**الأولى: جهالة البشر وحكمة الخالق**
تذكرت وجه ذلك الشاب الغني الذي زارني ذات مساء، متغطرساً بسلال من الفضة. سألني: “أتعرف من أنا؟” نظرت إليه، ورأيت خلف ثيابه الفاخرة طفلاً خائفاً من الظل. أجبته: “أعرف أنك لم تخلق نفسك، وأن الذي في كفك هو عارية ستردها.” كان يتحدث عن مراكبه وتجارته، وأنا أرى الصدع في نفسه. كم نحن جاهلون! نصنع اسماً من تراب، وننسى أننا من تراب. كتبت ذلك اليوم: “إِنِّي أَكْثَرُ غَبَاوَةً مِنَ الآحَادِ وَلاَ فَهْمَ لِي.” نعم، هذه ليست تواضعاً كاذباً، بل هي الحقيقة العارية. كل حكمتي كخيط عنكبوت في مهب ريح معرفة القدير.
**الثانية: كلمة الله.. نقية**
مرت سنوات، وجربت قراءة كتب الحكماء المصريين والكلدانيين. كلام معسول، مُزَيّن كعروس في عيد. لكن كان ينقصه الشيء الجوهري: النقاء. كلمة الله مختلفة. إنها كالنار المصفاة، كالفضة المُحماة سبع مرات. تذكرت ذلك اليوم الذي سمعت فيه قارئاً يتلو من التوراة: “كُلُّ كَلِمَةٍ مِنَ اللهِ نَقِيَّةٌ.” انسكب السلام في قلبي كالندى. في عالم ملئ بالكلمات الرخيصة، والأقوال المُلغَمة، ها هي كلمة تخلو من الغش. إنها لا تُجاريك، ولا تخدعك. تقول الحق بقسوة أحياناً، وبرقة أحياناً، ولكنها دوماً نقية. من يحفظها؟ إنها تحفظه. جربت ذلك.
**الثالثة: لا تعطني فقراً ولا غنى**
وفي ظهيرة حارة، جاءني رجل بثياب ممزقة، عيناه غائرتان. قال: “علمني كي أكون غنياً.” وراءه بأيام، جاء تاجر مُثقل بالذهب وقال: “كيف أتخلص من ثقل ما أملك؟” ضحكت في سريرتي. أيها البشر العجيبون! فقركم يجعلكم تسرقون اسم الله، وغناكم يجعلكم تنسونه. لذلك صلّيت تلك الصلاة التي لا تزال تُحرك شفتي في الليالي الطويلة: “لاَ تُعْطِنِي فَقْراً وَلاَ غِنى. أَطْعِمْنِي خُبْزَ حَظِّي.” الخبز اليومي. ليس أقل فيُهينني الجوع، وليس أكثر فيستعبطني الشبع. النعمة في القناعة، والقناعة كنز لا يفنى.
**الرابعة: الأربع العجائب**
جلستُ ذات يوم عند واحة، أتأمل خليقة الله. رأيت النمل يسير في طابور، يحمل ما هو أثقل منه. تذكرت كلماتي: “النَّمْلُ طَائِفَةٌ غَيْرُ قَوِيَّةٍ، وَلكِنَّهَا تُعِدُّ فِي الصَّيْفِ طَعَامَهَا.” ما أعظم هذا النظام! ثم تلك الظبية الرشيقة، تختفي بين الصخور كظل. “الوَخْشُ طَائِفَةٌ ضَعِيفَةٌ، وَلكِنَّهَا تَبْنِي بَيْتَهَا فِي الصَّخْرِ.” حتى في ضعفها، تختار الحصن الأمين.
لكن هناك ما هو أعجب. رأيت أبناءاً يقسون على آبائهم، وفتاة تنسى طهرها، وقوماً يتعالون بنفسهم، وعبيداً يصيرون ملوكاً. هذه عجائب الأرض الأربع التي لا أفهمها. العالم مليء بالأسرار، وبعضها مؤلم.
**الخامسة: ما لا يشبع**
تسللت الظلال الآن، وصار للجبال هيبة في هذا الضوء الخافت. فكرت في تلك المخلوقات التي كتبت عنها: “الأَرْضُ الَّتِي لاَ تَشْبَعُ مِنْ مَاءٍ.” رأيت واديًا بعد فيضان، وبعد أيام يعود ظمآن. والنار التي لا تقول “كفى”. كم هي مثل شهوات البشر! يكتسبون، ويطلبون المزيد. حتى القبر لا يمتلئ، والرحم العقيم تتوق للأبناء، والأرض في القحط تفتح فاها للسماء.
وفي خضم هذا، هناك شيء واحد ثابت: “طَرِيقَ النَّسْرِ فِي السَّمَاءِ.” هناك نظام، هناك حكمة عليا. النسر لا يضل، والأفعى تنزلق على الصخر، والسفينة تجري في البحر. كل يسير حسب ناموس وضعه الذي لا يُرى.
**السادسة: من يتعالى يَسقط**
رأيت بعينيّ، أكثر من مرة، الرجل الذي “يمزق غضب عينيه”. ذلك الحاكم الذي كان يدوس الناس بكبرياء. كان بيته كقصر من رخام، وها هو اليوم أطلال يأويها الثعلب. كتبت: “مَنْ يَلْتَفِتُ بِغَضَبِ الْعَيْنَيْنِ فَإِنَّهُ لاَ يُبْرِئُ.” الكبرياء كالسرطان، يبدأ صغيراً وينتهي بهدم أساس النفس.
شمس الصباح الآن تلمع على صفحة الوادي. أطوي اللفافة بحرص. الحكمة لا تكمن في الكلمات وحدها، بل في العيش بها. أنا أجور، لست أكثر من رجل رأى الدنيا وتعلم أن الحكمة الحقيقية هي معرفة أنك لا تعرف، والثقة بأن الذي خلق النملة والنسر، يعرف طريقك في هذه الصحراء.
نهضت، وشعرت بثقل السنين في عظامي. لكن في قلبه سلام الرجل الذي تعلم أن يسأل، أن يتأمل، أن يثق. سيعود إلى كوخه، ويعد خبزه البسيط، شاكراً للخبز اليومي، وللوحي الذي يُرى في أصغر مخلوق، وأعظم سماء.




