في تلك الأيام التي غطَّ فيها السوادُ الأفق، وكان القلبُ يئنُّ تحت وطأة الظلم، كما يئنُّ جذعٌ عتيقٌ قُطِعَ عن أصوله، جاء الكلام. لم يكن برعدٍ، ولا بعاصفةٍ تزلزل الجبال، بل كهمسةٍ صامتةٍ تنساب بين الأطلال، تلمس الأذنَ الداخليةَ للنفس الواعية.
رأى إشعاء، الرجل الذي عاش بين أنقاض ممالك وآمال مُحطَّمة، رؤيةً. لم تكن ككل الرؤى. فقد كانت تنبض بنسغٍ جديد، وكأن الخريف القاحل قد انشقت أرضه عن برعمٍ أخضرَ صغير، لا يُرى إلا بعين الرجاء.
قالت النبوءة: “ويخرج قضيبٌ من جذع يسى، وينبت غصنٌ من أصوله”. تأمل النبي هذه الكلمات في صدره. جذع يسى… بيت داود الذي صار كشجرةٍ مقطوعةٍ، لا عاهلَ ولا مجدَ، فقط جذعٌ يذكر بماضيٍ ذابَل. ولكن من هذا الجذع الميت ظاهريًا، سينبت الغصن. لا شجرةً ضخمةً فجأة، بل غصنًا رقيقًا، ينبت بصمت، لكن قوته في مصدره، في تلك الأصول المخفية تحت التراب التي احتفظت بالحياة.
وسيَحلُّ عليه روحُ الرب. لم يقل “قوة” أو “سلطان” فحسب. بل فصَّل كما يفصِّل الإنسان المشتاق حبيبه. روح حكمةٍ وفهمٍ، روح مشورةٍ وقوةٍ، روح معرفةٍ ومخافة الرب. ستكون هذه مواهبه الداخلية، نِظامُ قلبه. لن يحكم بالعيون الخاطفة، ولا بالأذن المائلة لنصرة الأقوياء. بل سيقضي للبائسين بالعدل، ويحكم لبُسطاء الأرض بالإنصاف. ستكون مشيئته العدل نفسه، مُسَلَّطًا على الظالم كالسيف، وحاميًا للمظلوم كالترس.
وهنا، امتدت الرؤيا لتشمل كل الخليقة، فاتسعت عين النبي الداخلية. رأى الذئبُ والجدي، والنمرُ والجدي، والعجلُ والأسدُ… لم تعد هذه مجرد كائنات، بل صارت رموزًا للعداوات المتأصلة في العالم، للخوف الذي يسكن القلب، للرغبة في الإفتراس. وفي الرؤيا، رأى الذئب مُقيمًا مع الخروف، والنمرُ راقدًا إلى جانب الجدي، والعجلُ والشبلُ معًا، وصبيٌ صغيرٌ يسوقها. صورةٌ توقف عندها النبي طويلاً، وكاد قلبه يتوقف من جمالها ومن استحالتها في عالمه. لم يكن هذا سلامًا مُفَروضًا، بل مصالحةً جذريةً، تحويلٌ للطبيعة نفسها. فالأسد سيأكل تبناً كالثور، والطفلُ يلعب على سرب الأفعوان دون خوف. لم يعد هناك إساءة ولا تدمير. لأن الأرض ستمتلئ من معرفة الرب، كما تُغطي المياهُ البحر.
في ذلك اليوم، سيقف القضيب، ذلك الغصن النابت، كرمزٍ للشعب. تُرفع رايته لتجمع المشتتين من إسرائيل، وتُقيم المنفيين من يهوذا من أطراف الأرض الأربعة. سيزول الحسد، وتنقطع ألسنةُ الافتراء. سيحلُّ التآخي، وسينظروا إلى ذاك القضيب فيعرفون أن الرب قد أعاد غرس ما اقتُلع.
كتب إشعاء هذه الكلمات، وكتب مشاعره معها. كتب عن الرجاء الذي يولد من رحم اليأس، عن الملك الذي لا يأتي من قصور السلاطين، بل من جذور متواضعة. عن السلام الذي لا يُفْرَض بالسيف، بل ينبع من معرفة تملأ القلب فتملأ الأرض. وعرف أنه يكتب لواقعٍ لم يأتِ بعد، لكن كلماته صارت بذرةً لذلك الواقع، وغصنًا صغيرًا من رجاء، غرسه الله في تربة قلوب المؤمنين، لينمو على مهل، عبر الدهور، منتظرًا ذلك اليوم الذي فيه تُغطي معرفةُ الرب الأرض، كما تغطي المياهُ البحر.




