كان الجوّ رطباً داخل الغرفة الضيقة، الحجرية. نَفَسُ الصباح البارد يتسلل من نافذة صغيرة عالية، حاملةً معها عبير تراب روما الرطب وضوضاء المدينة التي تستيقظ. جلس بولس على مقعد خشبي خشن، ظهره يؤلمه من السهر، ويداه مرتعشتان قليلاً من البرد. أمامه رقيم من البردي، وقلم، ودواة. لكن عينيه لم تكونا على الأدوات، بل كانتا تحدقان في الفراغ، كما لو كان يرى مشاهد من زمن آخر.
تذكر طرسوس. تذكر ضوء الشمس الذهبي على جبال طوروس، ورائحة الأصباغ في دكان أبيه، الفريسي، صانع الخيام من سبط بنيامين. كان الصبي شاول يدرس الناموس بحرفيته، يتنفسه كما يتنفس الهواء. “عبراني من العبرانيين”، هكذا كان يصف نفسه. كانت كلمات الفخر تلك تملأ صدره انتفاخاً. كان مستقبله مرسوماً: تلميذٌ لغيمالائيل الكبير في أورشليم، غيورٌ على تقاليد الآباء، مضطهدٌ للكنيسة الناشئة تلك التي تدنس النقاء. كان إيمانه آنذاك كالصخرة الصماء، صلابة بلا رحمة.
ثم… دمشق. ذلك النور الذي حطم صلابة العالم كله. ذلك الصوت. “شاول، شاول، لماذا تضطهدني؟”. سقطت الصخرة وتحطمت. لم يكن تحطماً للموت، بل كان تحطماً للقيامة. اختلط الظلام بالنور أمام عينيه لأيام، وفي الظلمة بدأ يبصر لأول مرة. بدأ يرى أن برَّ الناموس، ذلك البر الذي كان يتفاخر به ويتعب ليكمله، كان كخرق بالية أمام بهاء نعمة الله. لقد عدّ كل مكاسبه السابقة خسارة. بل أكثر من ذلك، عدَّها نفاية، كزبلٍ يُطرح خارج المدينة.
سعل بولس سعلة عميقة أرجعتته للحاضر. أمسك القلم، وغمسه في الدواة. كان يكتب لأصدقاء في فيلبي، كنيسة أحبها، كنيسة شاركته في العطاء والضيق. أراد أن يحذرهم من المعلمين الكذبة، أولئك الذين يريدون أن يفرضوا الختان والناموس على الإيمان الجديد. لكن التحذير لم يكن كافياً. كان عليه أن يقدم لهم نموذجاً، أن يفتح لهم صدره.
بدأ يكتب، والحبر الأسود يتدفق بحركة يد غير متزنة أحياناً، تترك بقعاً صغيرة على الحواف: “أمّا أنا فحاشا لي أن أفتخر إلاّ بصليب ربنا يسوع المسيح”. توقف. الصليب. ذلك العار الذي حوّله الله مجداً. كان هو نفسه، بولس الفريسي المتعلم، يعد الصليب عثرة وحماقة في ما مضى. والآن، هو كل شيء. هو المعيار الذي تُقاس به كل الأمور.
رفع بصره نحو النافذة الصغيرة. كان صوت حارس يتجول في الممر خلف الباب الحديدي. هو سجين. لكن قيوده هذه، أليست شهادة؟ ألم يكتب لهم مرة أن “أمراضي قد صارت زينة لي”؟ ابتسم ابتسامة مرهقة. النعمة لا تزيل الألم، بل تخمّره كالخمر، وتحوله إلى فرح غريب، عميق، لا يفهمه أحد سوى الذين ذاقوه.
عاد إلى الكتابة، وكلماته تنساب الآن بوتيرة أسرع، كمن يروي قصة حبّ قديمة: “إخوتي، أنا لا أحسب نفسي أني قد أدركت. ولكنني أفعل شيئاً واحداً: أنسى ما هو وراء، وأمتدُّ إلى ما هو قدام”. ما هو وراء؟ المجد البشري، الاعتزاز بالذات، برُّ الذات الذي يشبه قبراً مبيضاً. ينساه. ليس لأنه لم يكن حقيقياً، بل لأنه كان ظلاً باهتاً للحقيقة التي عرفها الآن في المسيح. وأمتدّ إلى ما هو قدام. نحو الجعالة، نحو الدعوة العلوية. نحو معرفة المسيح، وقوة قيامته، وشركة آلامه.
آه، شركة الآلام. لم تكن كلمة جوفاء. آلام الجسد من السفر والتعب والجلد والرجم. آلام القلب من فراق الأحبة، من خيانة البعض، من قسوة اليهود ورفض الإغريق. ولكن في كل هذا، كان يشعر بوجود حميم، كأن يسوع نفسه يشاركه الجرح. هذه المعرفة ليست معرفة عقلية جافة، بل هي معرفة كمعرفة الزوج لزوجته، حميمة، وجودية، تتخلل كل كيانه.
سمع وقع أقدام تقترب. ربما كان الحارس يجلب الماء. لم يرفع رأسه. كان في غمرة تدفق داخلي: “لست أقول أني قد نلت، أو أني قد كملت. ولكني أسعى، لعلي أدرك”. السعي. الحياة المسيحية ليست محطة نصل إليها ثم نرتاح. إنها سباق. هو نفسه، الشيخ المتعب، المقيد بالسلاسل، لا يزال في السباق. كان يجاهد كل يوم، جهاداً مرهقاً أحياناً، ضد الخطية التي لا تزال تلتصق به، ضد اليأس الذي يتربص، ضد ضعف الجسد. لكنه لم يكن يجاهد بقوته. قوة القيامة نفسها، التي أقامت المسيح من بين الأموات، هي التي تعمل فيه.
دق الباب، ودخل الحارس الروماني القاسي الوجه، ووضع كوزاً من الماء البارد على الطاولة الخشبية. نظر إلى بولس نظرة لا تحمل تعاطفاً ولا عداءً، مجرد نظرة روتينية لسجين عجوز. بولس شكره بصوت هادئ. بعد أن خرج الرجل، أخذ بولس كوز الماء بشكر. كل شيء، حتى قطعة الماء البسيطة هذه، كانت نعمة.
نظر إلى ما كتبه. كانت الرسالة تقترب من نهايتها. أراد أن يختمها بتذكير. تذكير بأن سيرتهم، كمواطنين للسماء، يجب أن تليق بإنجيل المسيح. أن يكونوا ثابتين، متحدين، فرحين. نعم، فرحين حتى في وسط الاضطهادات. هو نفسه، كاتب هذه الكلمات من داخل الزنزانة، كان ممتلئاً فرحاً. فرحاً لا يفهمه العالم، فرحاً جذوره في السماء.
كتب الكلمات الأخيرة بحنان الأب المشتاق: “أيها الأحباء، افرحوا في الرب”. ثم وضع القلم.
استند إلى الحائط البارد، وأغمض عينيه. التعب غزا جسده، لكن روحه كانت ساكنة في سلام غريب. كان يعلم أن طريق فيلبي ستصلها هذه الرسالة، وسيقرأها أصدقاؤه في اجتماعهم في بيت ليديا أو في السجن. كان يعلم أن بعضهم سيفهم، وسيتقدس، وسيستمر في السعي. وكان يعلم أن آخرين، ربما، سيجدون الكلمات صعبة، غريبة.
لكن هذا لم يكن شأنه. هو فقط كان أميناً. أميناً للنعمة التي لمسته على طريق دمشق. أميناً للدعوة. أميناً في السعي، حتى النهاية.
خارج النافذة، بدأت الشمس ترسل أشعتها الأولى. شعاع ذهبي دخل من الفتحة العالية، وسقط على الرقيم المليء بالكلمات، فجعل حبرها يلمع قليلاً. في ذلك الضوء الهادئ، بدت كلمات “افرحوا في الرب” وكأنها تنبض بحياة أعمق من حياة الحجر والحديد المحيطين به. وأدرك بولس، مرة أخرى، أنه رغم القيود، كان حراً حقاً. حراً بمعنى لم يعرفه قط عندما كان فريسياً حر الطلق. فحرية النعمة، هي أسمى حرية.




