الكتاب المقدس

لقاء البئر

فسَحَ الصَّبَاحُ عن سَفحِ التُّلولِ الشَّرقيَّة، فَارتَدَى الأُفقُ ثَوباً مِن نُحاسٍ سائِل. كانَ يَعقُوبُ يَمشي، وَقَد لَصِقَتْ أَثوابُ التَّعبِ بِجَسَدِهِ كَجِلْدٍ ثانٍ. رائِحَةُ الغُبارِ وَعَرَقِ السَّفَرِ تُطارِدُ أنفاسَهُ. لَم يَكُنْ يَعلَمُ مِقدارَ ما تَبقَّى لِبَلَدِ أُمِّهِ، لكنَّهُ كانَ يَعلَمُ أَنَّ البِئرَ قَريباً. كانَ الكَلامُ يَتَدافَعُ في أذُنِيه: “بِئرُ الحَرِّيَّةِ عِندَ حَاران”. كَلِماتُ أَبيهِ تَخرُجُ مَع زَفيرِهِ في خُطواتٍ مُتَثاقِلَة.

وَصلَ في وَقتِ العَصرِ، حِينَ تَكونُ الشَّمسُ كَالعَينِ المُتَّقدَةِ تُراقِبُ الأَرضَ بِلا رَحمَة. رَأى الحَجَرَ عَلَى فَمِ البِئرِ، كَأنَّهُ قُبَّعَةٌ حَجَرِيَّةٌ ضَخمَةٌ وُضِعَتْ لِتَحجُبَ الكَنزَ الَّذي تَحتَها. حَولَهُ كانَ الرِّعاةُ يَنتَظِرونَ، وَغَنَمُهُم مُتَجمِّعَةٌ في ظِلالٍ هَزيلَةٍ. لَم يَكُنْ يَعقُوبُ غَريباً عَنِ اللُّغَةِ، فَقَد تَعَلَّمَ نَغَمَاتِها مِن أُمِّهِ، وَلكِنَّ لَهجَةَ الشَّمالِ هُنا كانَتْ أَثقَلَ، كَأنَّ الكَلِماتِ تُقَطِّرُ عَسَلاً خَشِناً.

بَينَما كانَ يُفَكِّرُ في كَيفِيَّةِ تَحرِيكِ الحَجَرِ، رَأى قُطْعاناً أُخرَى تَقْدَمُ. وَفي مُقَدِّمَتِها امْرَأَةٌ تَمْشِي بِنَعَمَةِ النَّخْلَةِ وَثِقَةِ مَن يَعرِفُ الطَّرِيقَ. كانَتْ تَحمِلُ نَفسَ المِشْيَةِ الَّتي حَكاها لَهُ أَبوهُ عَن رِفْقَةٍ، المِشْيَةِ الَّتي تَمْزُجُ بَيْنَ لِينِ الوَادِي وَصَلابَةِ الصَّخرِ. هِيَ… كانَتْ لا بُدَّ راحيل. فَجَأَةً، وُجِدَتْ قُوَّةٌ لَم يَكُنْ يَعلَمُ مَصْدَرَها تَتَحَرَّكُ في عَضَلاتِ ذِراعَيْهِ. تَقَدَّمَ بِسُرعَةٍ، دَفَعَ الرِّعاةَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ أَمسَكَ بِحافَةِ الحَجَرِ العَظيمِ. صَرَّ بِأَسنَانِهِ، وَبِدَفْعَةٍ واحِدَةٍ، كَأَنَّها القُوَّةُ نَفْسُها تَتَحَدَّثُ مِن خِلالِ عِظامِهِ، دَحرَجَ الحَجَرَ عَن فَمِ البِئرِ. صَدرَ صَوتٌ عَميقٌ كَزَئِيرٍ مَكْبوتٍ.

سَقَى غَنَمَها أَوَّلاً، وَهُوَ يَنظُرُ إلَيها في صَمتٍ. لَم يَكُنْ هُناكَ كَلِماتٌ تُعَبِّرُ عَمّا في داخِلِهِ. ثُمَّ أَخَذَ يَبْكِي بُكَاءً هادِئاً، بُكَاءَ الرِّجالِ الَّذِينَ يَجِدُونَ أخيراً مَا لَم يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ يَبْحَثونَ عَنهُ. قَبَّلَ جَبينَها، وَهَتَفَ بِصَوتٍ مَكسورٍ: “أَنا ابنُ رِفْقَةَ، أُختُ أَبِيكِ!”. كانَ الصَّوتُ يَخرُجُ مِن أَعماقِ مَكَانٍ مُظلِمٍ وَقديمٍ في نَفسِهِ.

رَكَضَتْ راحيلُ كَالرِّيحِ. وَعِندَما جاءَ لابانُ، كانَتْ عَيناهُ تَلمَعانِ بِمَعنَىً آخَرَ غَيرِ الفَرَحِ. كانَ يُحِسُّ بِالرَّائِحَةِ نَفسِها الَّتي كانَ يَعرِفُها مَع أَخِيهِ: رائِحَةُ الفُرصَةِ. ضَمَّهُ وَقالَ: “حَقّاً أَنْتَ عَظْمِي وَلَحْمِي”. الكَلِماتُ دافِئَةٌ، وَلكِنَّ يَدَيهِ كانَتا تَخْتَبِئانِ في ثَنايا الثَّوبِ كَالثَّعلَبَينِ.

شَهِدَتِ السَّماءُ سَبعَ سَنَواتٍ وَهِيَ تَمُرُّ عَلَى يَدَي يَعقُوبَ كَأَيَّامٍ وَاحِدَةٍ. لَم تَكُنْ أَيَّامُ عَمَلٍ فَحَسْب، بَلْ أَيَّامُ رُؤيَةٍ. كانَ يَرعى الغَنَمَ وَهوَ يَرَى وَجهَ راحيلَ في كُلِّ حَمَلٍ جَديد، في كُلِّ زَهْرَةٍ تَتَفَتَّحُ عِندَ المَجرَى. حُبُّهُ لَها كانَ كَالنَّارِ الَّتي تُنَقِّي المَعادِنَ؛ أَعطَتْ صَبْرَهُ بَريقَ الذَّهَبِ الخالِصِ.

وَلكِنَّ لابانَ كانَ رَجُلاً يَعْرِفُ أَنَّ الحِجارَةَ قَد تَتَّخِذُ شَكْلَ الخُبْزِ لِتَخْدَعَ الجائِعَ. في لَيلَةِ العُرسِ، لَفَّ الفَضَّةَ في غِلالَةٍ مِنَ الظُّلْمَةِ. كانَتْ لَيْلَةً مِن دِهنٍ وَأَنْغامٍ، وَرائِحةُ اللَّهَبِ تَملأُ الجَوَّ. وَعِندَما طَلَعَ الفَجرُ بَعْدَ تِلْكَ اللَّيلَةِ الطَّويلَةِ، وَجَدَ نَفسَهُ مُقابِلَ عَينَيْنِ أُخْرَيَيْنِ. عَينَي لَيْئَةَ، الأُختِ الكُبرَى، تَحدُّقانِ بِمَزيجٍ مِنَ الخَجَلِ وَالأَسَى وَانْتِظارٍ قاتِل. صَمتَتُ الأَرْضُ كُلُّها في داخِلِهِ. لَم يَكُنْ هُناكَ صُراخٌ، بَلْ شَقٌّ عَميقٌ في كَيانِهِ، كَأَنَّ جَبَلَ الرَّجاءِ قَدِ انْهَارَ فَجْأَةً فَصارَ رُكاماً.

قالَ لابانُ وَوَجْهُهُ مُغَطًّى بِبَرَاقِعِ العُرْفِ: “لا يَفْعَلُ ذَلِكَ في مَكَانِنا!”. الكَلِماتُ كَالحِجارَةِ المُسَنَّنةِ. فَماذا يَستَطِيعُ يَعقُوبُ أن يَفْعَلَ؟ لَقَدْ أَضاعَ كُلَّ شَيءٍ، وَباتَتْ راحيلُ أَقْرَبَ وَأَبْعَدَ شَيءٍ عَنْهُ في نَفْسِ اللَّحْظَةِ.

فَعاشَ سَبْعَ سَنَواتٍ أُخْرَى، لَكنَّها كانَتْ ثَقيلَةً كَدِرْعٍ مِن رَصاص. كُلُّ نَظْرَةٍ إلى راحيلَ وَهِيَ تَتَرَاءَى لَهُ مِن بَعيدٍ، كُلُّ صَوْتٍ لَهَا يَصِلُهُ، كانَ يُذَكِّرُهُ بِالعَقْدِ الآخَرِ الَّذِي يَنْتَظِرُهُ. لَمْ يَعُدِ العَمَلُ أَيَّاماً وَاحِدَةً. لَقَدْ تَعَلَّمَ دُروسَ الصَّبْرِ المُرَّةَ: أَنَّ بَعْضَ الوُعودِ تَأْكُلُ زَمَناً أَكْبَرَ مِن حَياةِ رَجُلٍ، وَأَنَّ القَلْبَ قَد يَبْنِي سُجُونَهُ مِنْ أَجْمَلِ ذِكْرَياتِهِ.

وَفي أَحْشَاءِ تِلْكَ السِّنينَ، وُلِدَ الحَقْدُ بَطِيئاً كَنُموِّ جَذْرٍ سامٍّ. وَوُلِدَتْ مَحَبَّةٌ أُخْرَى أَشْبَهُ بِالجُرْحِ الَّذِي لا يَبْرَأ. لَقَدْ بَدَأَ كُلُّ شَيءٍ بِدَمْعَةِ لِقَاءٍ عِنْدَ بِئْرٍ، وَهَا هُوَ الآنَ، بَعْدَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، قَد صَارَتْ دِماؤُهُ وَأَحْلامُهُ خَميرَةً لِعَجينَةٍ كَبِيرَةٍ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ أَنَّهُ سَيَعْجِنُها. كانَتْ حَياتُهُ قَدِ انْقَسَمَتْ: نِصْفُها بَحْثٌ عَنْ نُورٍ، وَالنِّصْفُ الآخَرُ عُمْقٌ مِن ظِلٍّ لَمْ يَزَلْ يَتَرَاقَصُ فِيهِ وَجْهُ أَخِيهِ الْغائِبِ، وَوَجْهُ أَبِيهِ الْعَتِيقِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ اللَّيْلِ الْخَدِيعِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ آخِرَ اللَّيالِي.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *