الكتاب المقدس

صوت موسى من جبل النبو

هكذا كان موسى يتكلم، وصوته كحفيف شجر العوسج القديم في هبوب ريح الصحراء، ليس عالياً ولكنه يخترق الأعماق. وقف الشعب على تلك البقعة، بينما كانت أرض الموعد تمتد خلفه كحلم يتراءى من فوق جبل نبو. كان الهواء حاراً يحمل عبق التراب والماضي، وكان في عيون الشيوخ الذين عاصروا الخروج بريقٌ آخر، بريق الذكرى والخوف معاً.

“اسمعوا يا إسرائيل”، ابتدرهم الصوت، “الفرائض والأحكام التي أعلمكم إياها، لتعملوا بها لكي تحيوا”. لم تكن كلماته درساً مجرداً، بل كانت كمن يربط خيطاً بين الماضي والمستقبل، خيطاً رفيعاً من نور وعهد. “لا تزيدوا على الكلام الذي أوصيكم به، ولا تنقصوا منه”. كان ينظر إلى الوجوه التي تعرف التيه، والتي قد تنسى.

ثم جاءت الذكرى، ذكرى حوريب، تلك التي هزت كيان الوجود. “تذكروا اليوم الذي وقفتم فيه أمام الرب إلهكم في حوريب”. وصفه لهم كما لو كانوا جميعاً هناك، رغم أن أكثرهم لم يكن سوى أبناء وأحفاد لمن شهدوا النار. “وقال لي الرب: اجمع لي الشعب فأسمعهم كلامي، لكي يتعلموا خافي طول أيامهم على الأرض، ويعلموا أولادهم”.

وهنا ارتفع صوته قليلاً، وكأنه يستعيد رعدة ذلك اليوم. “فدنوتم ووقفتم في أسفل الجبل، والجبل كان مشتعلاً بالنار إلى قلب السماء، ظلامٌ وسحابٌ وضبابٌ. وكلمكم الرب من وسط النار. أنتم سمعتم صوت كلام، ولكن لم تروا صورة، بل صوتاً فقط”. توقف، ودعا الصمت لينتشر بين الجموع. حتى حفيف الثياب توقف. “فاحتفظوا لنفوسكم جداً، لأنكم لم تروا صورةً ما في يوم تكلم الرب إليكم في حوريب”.

كانت العظة تتحول إلى تحذير، تحذيرٌ نابع من حب عجوز رأى الشعب يسقط مراراً. “حذارٍ من أن تفسدوا وتصنعوا لأنفسكم تمثالاً منحوتاً، صورةَ ما مِمثَال ذكرٍ أو أنثى”. وعيناه تجولان في الحشود، وكأنه يبحث عن بذرة الفساد قبل أن تنبت. “ومِثَالَ بهيمةٍ ما على الأرض، أو مِثَالَ طيرٍ ذي جناحٍ يطير في السماء”. كل صورةٍ ذكرها كانت كإغلاق لباب من أبواب الضلال.

ثم اتسعت الدائرة، “ومِثَالَ ما يدبُّ على الأرض، أو مِثَالِ سمكةٍ ما في المياه من تحت الأرض”. كان يستقصي كل احتمالات الوهم البشري، كل ما يمكن أن يتحول إلى صنم. “وإذا رفعت عينيك إلى السماء، ورأيت الشمس والقمر والنجوم، كل جند السماء، فلا تنخدع وتسجد لها وتعبدها”. كانت كلماته تنساب كالنهر الهادئ العميق، تحمل معنى واحداً: الله مختلف. لا يشبه شيئاً مما تراه العيون أو تتخيله الصور.

“بل الرب أخذكم وخرج بكم من أتون الحديد، من مصر، ليكون له شعبٌ ميراث كما في هذا اليوم”. هنا عاد إلى اللحظة الراهنة، إلى الوقوف على حافة الوعد. كان الرب هو الفاعل دائماً، هو المُخَلِّص. والعبرة ليست في القوة بل في الذاكرة. “فتحفظون نفوسكم جداً، فلا تنسوا عهد الرب إلهكم الذي قطعه معكم”.

امتد الخطاب ليلمس مصائر الأمم، حكمة إسرائيل التي ستدهش العالم. “فاحترزوا لأنفسكم لئلا تنسوا عهد الرب إلهكم… لأنه الرب إلهك هو نارٌ آكلة، إلهٌ غيور”. لم يكن الوصف مجرد استعارة، بل كان تعبيراً عن قداسة لا تُجارَى، عن حق يطالب بالكل.

ثم بدأ موسى يرسم لهم المنفى قبل أن يقع، وكأن نبوءة الألم ضرورية للذكرى. “إذا ولدت لك بنون وبنون بنين، وشختُم في الأرض، وأفسدتم وصنعتم تمثالاً… أُقسم اليوم بالسماء والأرض أنكم تبيدون سريعاً”. لكن المنفى، في لاهوت موسى، لم يكن نهاية، بل كان طريقاً عودة. “ومن هناك تطلب الرب إلهك فتجده، إذا التمسته بكل قلبك وبكل نفسك”.

“في الضيق”، هكذا واصل، “إذا أصابتك كل هذه الأمور، في آخر الأيام، ترجع إلى الرب إلهك وتسمع لصوته”. كانت التوبة دائماً مشرعة، لأن الله الذي هو غيور، هو أيضاً رحيم. “لأن الرب إلهك إله رحيم، لا يتركك ولا يهلكك، ولا ينسى عهد آبائك الذي أقسم لهم عليه”.

وختم كلماته كما بدأها، بنداء الذكرى والشهادة. “فاسأل عن الأيام الأولى التي كانت قبلك… هل سمع شعبٌ صوت إله يتكلم من وسط النار كما سمعت أنت وعاش؟”. كانت الإجابة معلقة في الهواء، إقراراً بالتفرد، بالعلاقة الخاصة التي تقوم على الكلمة المسموعة لا الصورة المنحوتة.

“لَكَ أُريِتَ لتعلم أن الرب هو الإله. ليس آخر سواه… فاعلم اليوم، وردد في قلبك، أن الرب هو الإله في السماء من فوق وعلى الأرض من تحت. ليس سواه”. وسكت.

وبقي الشعب واقفاً بعد أن انتهى الكلام. كان الشمس تميل نحو الغروب، وتلوح أرض كنعان في الضوء الذهبي الأخير. كانوا يحملون كلمات لم تكن مجرد تشريع، بل كانت سرداً لهويتهم: شعب سمع النار، شعب دُعي ليعيش بالكلمة غير المرئية، شعب الذكرى والرجاء. وكان موسى، الرجل الذي لن يعبر، قد أعطاهم خريطة القلب التي ستقودهم، حتى في ظلام التيه الذي لم يعرفه بعد.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *