كان الجو حملاً ثقيلاً في ذلك اليوم، والشمس تميل نحو الغرب خلف تلال الجليل، مطلية البحر بلون النحاس. جلس يسوع على صخرة منبسطة عند حافة الحقل، وحوله التلاميذ، بعضهم جلس على الأرض وبعضهم وقف متكئاً على عصاً. كانت رائحة التراب بعد حرثةٍ حديثة تملأ الهواء، وصرصر الجراد يُسمع من بين أعشاب الحصاد.
تقدم بطرس، وكان وجهه يحمل ذلك التجعد بين الحاجبين الذي يظهر حينما يكون في أمرٍ يشغل باله. قال: “يا معلم، كم مرة يُخطئ إليّ أخي وأنا أغفر له؟ أَحَتّى سبع مرات؟” كان صوته يحمل شيئاً من الفخر، كمن يظن أنه يوسع من حدود الرحمة المعتادة.
نظر يسوع إليه، ونظر إلى باقي التلاميذ. كانت عيناه تلمعان بنور عميق، كالنظر إلى ينبوع بعيد. قال: “لا أقول لك حتى سبع مرات، بل حتى سبعين مرة سبع مرات”. ساد صمت. فقط صوت نسمة تحرك أوراق شجرة تين قريبة. لم يكن الرقم حساباً، كان الأمر مختلفاً كلياً.
ثم أشار بيده نحو بعض الأولاد الذين كانوا يلعبون قرب بئر القرية، يلاحقون بعضهم بضحكات مرتفعة. نادى واحداً منهم، فجاء الطفل، ملابسه ملطخة بغبار الطريق، وعيناه واسعتان. وقف الطفل بينهم، ورائحة الشمس العالقة بثيابه تختلط برائحة التين الذي كان يمسكه في يده.
أجلس يسوع الطفل في وسط الحلقة. وضع يده على كتفه الصغير، وقال: “الحق أقول لكم، إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد، فلن تدخلوا ملكوت السماوات. فمن وضع نفسه مثل هذا الطفل، فهو الأعظم في ملكوت السماوات”.
كانت كلماته تسقط كقطرات ندى على أرضية عقل التلاميذ القاسية. نظر يوحنا إلى الطفل، ثم إلى يديه الخشنتين من صيد السمك، وتساءل في نفسه: كيف يعود الإنسان طفلاً؟ أليس الطفولة براءة سهلة تُنسى؟ لكن يسوع لم يكن يعني البراءة الساذجة، بل كان يعني تلك الثقة الكاملة، تلك البساطة في الوجود، التي تجعل الطفل يضع يده في يد أبيه دون حساب.
ثم اشتد صوته قليلاً، لكن ليس كصياح، بل كنداء جاد: “ومن قبل واحدا مثل هذا الطفل باسمي، فقد قبلني أنا. ولكن من أعثر أحد هؤلاء الصغار المؤمنين بي، فخير له أن يُعلق في عنقه حجر رحى ويُغرق في لجة البحر”.
ارتعد يعقوب وهو يسمع. تذكر مرة كيف زجر ابن جاره الصغير لأنه كسر جرن الفخار عن غير قصد. شعر بثقل كأن حجر رحى فعلاً معلق في قلبه. البحر الذي يعرفه، ذو اللون الأزرق العميق الذي يتحول إلى أسود تحت القارب، كيف يكون الغرق فيه رحمة مقارنة بإثم تعثير طفل؟
واصل يسوع كلامه، وصوته ينساب كالنهر الهادئ الذي يحمل قوة هادمة في داخله: “ويل للعالم من العثرات. فلا بد أن تأتي العثرات، ولكن ويل لذلك الإنسان الذي تأتي العثرة على يديه! فإن كانت يدك أو رجلك تعثرك، فاقطعها وألقها عنك. خير لك أن تدخل الحياة أعرج أو أقطع، من أن تُلقى في النار الأبدية ولك يدان أو رجلان”.
لم يكن يتكلم عن جروح الجسد، هذا كانوا يفهمونه. كان يتكلم عن كل عادة، كل صداقة، كل طريق مألوف في الحياة، إذا كانت تقف بينك وبين الملكوت، فاقتلها قبل أن تقتلك. الهواء حولهم صار ثقيلاً، كأن كل واحد كان ينظر إلى يديه وأرجله الداخلية.
“انظروا لا تحتقروا أحد هؤلاء الصغار”، قال، ونظرته تلامس كل واحد منهم. “لأني أقول لكم إن ملائكتهم في السماوات كل حين ينظرون وجه أبي الذي في السماوات”.
تخيل توما أجنحة بيضاء تحلق حول الأطفال الصغار في القرية، في الحقل، عند البئر. كل طفل له ملاك خاص، يرفرف بصمت، ينظر إلى وجه الله وينقل نظرات المحبة تلك إلى الأرض. عالم آخر، غير منظور، لكنه حاضر أكثر من الحجارة تحت أقدامهم.
ثم جاء المثل، فجأة، كمن يفتح نافذة على حقيقة سماوية. قال: “ماذا تظنون؟ إن كان لإنسان مئة خروف، وضل واحد منها، ألا يترك التسعة والتسعين على الجبال، ويذهب يطلب الضال؟ وإذا اتفق أن يجده، فالحق أقول لكم إنه يفرح به أكثر من التسعة والتسعين التي لم تضل”.
صمت. سمعوا في البعد صوت راعٍ ينادي على غنمه. قال متى، الجابي السابق، في نفسه: الله كراعٍ؟ نحن الأرقام في دفتره، لكن الضال هو القصة التي تملأ قلبه. الربح والخسارة في السماء تحسب بطريقة لا يفهمها تجار الأرض.
“هكذا ليست مشيئة أمام أبيكم الذي في السماوات أن يهلك أحد هؤلاء الصغار”.
كانت الشمس قد غابت الآن، وأصبح الضوء أرجوانياً. أضاءت أول نجمة في السماء. لكن التعليم لم ينته.
“وإن أخطأ إليك أخوك، فاذهب وعاتبه بينك وبينه وحدكما. إن سمع منك، فقد ربحت أخاك. وإن لم يسمع، فخذ معك واحداً أو اثنين، لكي تقوم كل كلمة على فم شاهدين أو ثلاثة. وإن لم يسمع منهم، فقل للكنيسة. وإن لم يسمع من الكنيسة، فليكن عندك كالوثني والعشار”.
كان يتكلم عن عملية مصالحة، خطوة خطوة، بكل صبر. ليس عن الانتصار في المشاجرة، بل عن “ربح” الأخ. كلمة “ربح” ترن في الأذن. الأخ إنسان يُربح، ككنز ثمين.
ثم أضاف شيئاً مذهلاً: “الحق أقول لكم: كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطاً في السماء، وكل ما تحلّونه على الأرض يكون محلولاً في السماء”. السلطة الممنوحة ليلياقة، لا للتفاخر. سلطة الخادم الذي ينظف الأرضية، لكنه يملك مفاتيح القصر كله.
وأخيراً، عاد بطرس إلى السؤال الأول، لكن قلبه الآن مختلف. قال يسوع: “حتى سبعين مرة سبعاً”، ثم ضرب لهم مثلاً آخر، عن ملك أراد أن يحاسب عبيده. قصة ذلك العبد المدين بعشرة آلاف وزنة، دين مستحيل، مثل جبل يقف على صدر إنسان. سجد العبد وتوسل: “تمهل عليّ فأوفيك الجميع”. فتحنن سيده وتركه، وأطلق دينه.
خرج ذلك العبد، وفي الطريق وجد عبداً رفيقاً له كان مديوناً له بمئة دينار، شيء بسيط. أمسكه بخناقه وقال: “أوفني ما لي عليك”. سجد الرفيق وقال نفس الكلمات: “تمهل عليّ فأوفيك”. لكنه أبى، وألقاه في سجن حتى يؤدي الدين.
رأى باقي العبيد ما حدث، فحزنوا جداً، وذهبوا وأخبروا سيدهم بكل شيء. استدعى السيد ذلك العبد الأول وقال له: “أيها العبد الشرير، كل ذلك الدين تركته لك لأنك طلبت مني. أما كان ينبغي أنك أنت أيضاً ترحم العبد رفيقك كما رحمتك أنا؟”.
ثم غضب السيد وسلمه إلى المعذبين حتى يوفي كل ما عليه. قال يسوع: “هكذا أبي السماوي يفعل بكم، إن لم تتركوا من قلوبكم كل واحد لأخيه زلاته”.
انتهى الكلام. كان الظلام قد كتمل، وأشعلت مصابيح في البيوت البعيدة. لم يتحرك التلاميذ لفترة. كل واحد يحاسب نفسه ليس على عشرة آلاف وزنة، بل على المئة دينار الصغيرة التي يطالب بها أخاه. الغفران المستلم يجب أن يصبح غفراناً معطى، وإلا فإنه يختنق في القلب ويصبح سجناً.
نهضوا أخيراً في صمت. الطفل نام بجانب الصخرة. حمله أحدهم برفق. مشوا عائدين إلى القرية، وكل خطوة على التراب تذكرهم أن الأرض التي يمشون عليها مقدسة، لأن السماء ترى، وتسمع، وتحاسب بحسب مقياس الرحمة الذي أعطوه أولاً.




