كان النهار يميل نحو الزوال، والشمس تتخلّص شيئاً فشيئاً من وهجها القاسي، ملوِّحة بضوء ذهبي دافئ على منحدرات التلال المطلة على بحيرة جنيسارت. كان الجمع قد توافد، من كل قرية ومدينة في اليهودية، ومن تلك السواحل التي يسكنها الغرباء. جاءوا يحملون أمراضهم وأسئلتهم، وجوعهم الذي لم يكن لجسدهم فقط. كانوا يصعدون الطريق الترابي، غبار أقدامهم يعلو كسحابة خفيفة، وهمسهم المتعدد يشبه خرير الماء البعيد.
جلس يسوع على مكان مرتفع قليلاً في سفح الجبل، حيث تكسو الخضرة الأرض. كان حوله تلاميذه، وجوههم تحمل آثار تعب السير والتوق إلى ما سيقوله. نظر إليهم نظرة طويلة، عميقة، كمن يقلب صفحات قلوبهم قبل أن يتكلم. ثم رفع عينيه نحو الجموع التي تزحم المكان، المرضى والمقعدين، المتعبين بثقل الناموس والفرائض التي لا تنتهي، الفقراء الذين تسلبهم السنابل القليلة الباقية في حقولهم من أجل الجزية.
بدأ كلامه، وصوته لا يشبه أصوات الكتبة، لا حدة فيه ولا تعالٍ، بل كان كالنسمة التي تسبق المطر. قال: “طوباكم أيها المساكين، فلأنفسكم ملكوت الله.” سكت لحظة، وكأنه يسمع صدي كلماته في أذن الزمن. كان يتكلم عن الجوعى الذين سيشبعون، عن الباكين الذين سضحكون. ولكن الكلمات التي جعلت الحاضرين يتبادلون نظرات استفهام، كانت عندما قال: “طوباكم إذا أبغضكم الناس، وإذا أفرزوكم وعيّروكم، وطردوا اسمكم كشرير من أجل ابن الإنسان.”
كان هناك رجل بين الجمع، يده اليمنى يابسة، ذابلة كغصن ميت. وقف الفريسيون والكتبة متحفزين، عيونهم تتلمس الفرصة. هل سيشفي في السبت؟ كان السؤال معلقاً في الهواء كرائحة المطر قبل نزوله. نظر يسوع إلى الرجل، ثم دار بنظره في الحلقة الضيقة التي شكلها معارضوه. كانت تعابير وجهه لا تحمل غضباً، بل شيئاً من الحزن العميق. قال للرجل: “قُمْ وقِفْ في الوسط.” وقف الرجل مرتعداً، يده الخشبية معلقة بجانبه. ثم سألهم يسوع سؤالاً بسيطاً قطع به ضجيج قلوبهم: “أأحلال في السبت فعل الخير أم فعل الشر؟ تخليص نفس أم إهلاكها؟”
كان الصمت ثقيلاً. لم يجيب أحد. نظر إليهم جميعاً، نظرة اختبرت أعماقهم، ثم قال للرجل: “مدّ يدك.” ومدّها. وفي تلك اللحظة، أمام الجميع، امتلأت يده حياة، عادت العضلات تتحرك، الجلد يستعيد لونه، الأصابع تتمدد وتنقبض بدهشة الرجل نفسه الذي نظر إلى يده كما لو أنها خُلقت من جديد. لكن الفرح لم يعم المكان كله. فمن بين الجمع، انسحب البعض بوجوم، وهم يهمسون بالشر، ينسجون في الظل ما لم يستطيعوا مواجهته في النور.
بعد ذلك، نزل يسوع مع تلاميذه إلى مكان منبسط، وقف فيه حيث يمكن لصوته أن يصل إلى الجميع. وبدأ يتكلم بكلمات لم تُسمع من قبل. كان يتحدث عن المحبة التي لا تعرف حدوداً. “أحبوا أعداءكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، باركوا لاعنيكم، وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم.” كانت الكلمات تسقط كحبات المطر على أرض قاحلة. من يسمعها للمرة الأولى، يشعر كأن قلبه يُقلب رأساً على عقب. حتى التلاميذ، الذين ساروا معه طوال هذه الفترة، وجدوا أفكارهم تتصادم مع هذا المنطق الجديد. فكيف تحب من يضطهدك؟ كيف تمنح الخد الآخر؟
وتابع، وصوته يمتزج مع حفيف أشجار الجميز البعيدة: “لا تدينوا فلا تدانوا. لا تقضوا على أحد فلا يقضى عليكم.” وكان يشرح بكلمات بسيطة، مستخدماً أمثالاً من حياتهم اليومية: “هل يستطيع أعمى أن يقود أعمى؟ ألا يسقطان معاً في حفرة؟” وكلما تحدث، كان يحفر في تربة التقاليد الراسخة، ليغرس بذرة فهم جديد. تحدث عن الشجرة التي تُعرف من ثمرها، وعن البناء الذي يقاوم العواصف إذا كانت أساساته على الصخر.
استمر يومه طويلاً، حتى بدأت ظلال المساء تمتد. وعندما أنهى، عاد الكثيرون إلى بيوتهم محملين ليس فقط بما شاهدوه من آيات، بل بما سمعوه من كلام هزّ أركان يقينهم القديم. بعضهم ظل يناقش، وبعضهم صمت متفكراً. أما هو، فقد انصرف إلى الجبل ليصلي، كما كان يفعل دائماً، كمن يريد أن يستمد من ينبوع الوحدة قوةً للعودة إلى زحام العالم وعنفه.
وفي الليلة التالية، بينما كان التلاميذ يجتمعون حول نار متواضعة، قال بطرس، وهو يحدق في اللهب: “كلمات اليوم… كانت عسيرة. كأنها تطلب منا أن نكون غير بشر.” فنظر إليه أندراوس أخوه وقال: “بل كأنها تطلب مننا أن نكون بشراً كما أراد الله في البدء.” وكانت النجوم تتلألأ فوق بحيرة Galilee، صامتة، كأنها تستمع.




