الكتاب المقدس

ثمن الغفوة المقدسة

كان الظلام ينسحب بخجل من أرض سيناء، تاركاً خلفه سماءً تتحول من لون الرماد إلى درجات الخوخ الناعمة. في الخيمة، كان أليعام، الكاهن الشاب الذي لم تعهد ذراعه بعد ثقل المجمرة الذهبية، يقف حائراً. كانت رائحة البخور الرقيقة لا تزال عالقة في الهواء البارد من صلاة الغروب، لكن قلبه كان ثقيلاً كحجر الرحى. تذكر فجأة، بينما كان يرتب آنية القدس بيد مرتعشة، أنه في اليوم السابق، أثناء ذبحه ذبيحة سلامة عن عائلة حور، ربما – فقط ربما – قد لامس حافة المذبح بيده قبل أن يرش الدم حسب الشريعة. هل كان ذلك حقاً؟ أم أن خياله يلعب به؟ الشك كان كالدخان يتسلل إلى عقله. لم يكن هذا خطأً متعمداً، بل غفلة، نسياناً في لحظة انشغال. لكن الناموس لا يفرق بين الساهي والمتعمد في قدسية الطقس.

خرج من الخيمة، ونظر إلى المحلة المنتشرة حوله. كانت الخيام البيضاء تتنفس مع نسيم الصباح، والدخان الخفيف يبدأ بالصعود من مواقد الأسر المستيقظة حديثاً. في زاوية من الساحة، رأى ثوراً شاباً مربوطاً إلى وتد، عيناه الهادئتان تتبعان حركة غيمة بعيدة. عرف أليعام أن هذا الثور ليس له ذنب، لكن الشريعة قالت: “إذا أخطأت الجماعة خطية عن جهل… فلتقدم تلاً من البقر”. هو لم يكن كل الجماعة، بل كاهناً واحداً، لكن خطيته، وإن كانت عن جهل، تلوث خدمة المقدس. شعر بغصة في حلقه. القداسة ليست مجرد طقوس، إنها انتباه القلب كله، وفي لحظة واحدة من الغفوة، يمكن أن ينكسر الانسجام بين الأرض والسماء.

ذهب إلى رئيس الكهنة، وهو رجل تجعد وجهه من سنوات الوقوف بين النار والدخان. استمع الشيخ إليه بصمت، وعيناه العميقتان تقرآن رعب الشاب النقي. لم يوبخه، بل وضع يده الثقيلة على كتفه وقال: “الناموس لم يُعطِ لتحطيمنا، بل ليعلمنا ثقل المجيد الذي نخدمه. الذبيحة موجودة لأن النسيان موجود في طبيعتنا”. أُمر أليعام أن يأخذ ذلك الثور إلى باب خيمة الاجتماع، قبل كل الجماعة.

في تلك اللحظة، شعر وكأن كل عيون إسرائيل عليه. كان الوقوف أمام الشعب بخطيته أصعب من مواجهة الموت نفسه. وضع يديه على رأس الثور، والجلد الدافئ تحت أصابعه كان نابضاً بالحياة. همس اعترافه: “لقد أخطأت، أنا النجس، أمام الرب”. في صوته ارتجاف خفيف، لم يكن تمثيلاً. ثم ذبح الثور بيدٍ حاولت أن تثبت. سال الدم الدافئ إلى الطست، أحمر قانٍ، يذكر بالحياة التي تخرج لتفدي حياة.

دخل إلى القدس، والدم في يده. كانت رائحة المسك القديم والبخور المقدس تستقبله. رش الدم سبع مرات أمام الحجاب الذي يخفي قدس الأقداس. كل رشة كانت تتردد في صمته كصلاة. مسح قرون مذبح البخور الذهبي، حيث تصعد صلوات القديسين، ثم سكب ما تبقى عند أساس مذبح المحرقة. كان كل حركة تحمل معنى: التكفير يبدأ من أقرب نقطة إلى الله، ثم يطهر موضع الصلاة، وأخيراً يغسل الأساس الذي تقوم عليه كل العبادة.

أخرج الثور بكامله – جلده، لحمه، أحشائه، حتى رمزه – خارج المحلة، إلى مكان طاهر لكنه منفصل، حيث تُحرق النار ما لا يمكن أن يبقى وسط شعب الله. كانت النار تلتهم الذبيحة، والدخان الكثيف يصعد كصرخة صامتة نحو السماء. وهو ينظر إلى اللهب، شعر أليعام بشيء غريب: لم يكن شعوراً بالارتياح الكامل، بل باعتراف عميق بالفجوة بين قداسة الله ونسيان الإنسان. الطقس لم يمحُ الذكرى، بل علمه أن خطيته، وإن غفرت، كانت حقيقية بما يكفي لتطلب موت بريء.

عند عودته، كان عليه أن يغسل ثيابه ويغتسل قبل أن يعود إلى الخيمة. الماء البارد على جسده كان كتذكار: الغفران لا يمحو الأثر فحسب، بل يطلب تغييراً. في المساء، وقف مرة أخرى ليخدم، ورائحة المحرقة الخفيفة لا تزال في الهواء. كان يعلم أنه قد تُب إليه. لكنه فهم الآن أن الناموس، في دقته الرهيبة، كان رحمة مكتوبة بدم. لقد رسم طريقاً للعودة، حتى من أغبى أخطائنا، من ظلمة الجهل نفسه. والقدس، التي كانت قبل يومين مكان رعب، أصبحت الآن تشع له بوعود النعمة الثانية، والثالثة، والعاشرة، إلى ما لا نهاية. لأن شعباً من الساهين يحتاج إلى ذبيحة لا تنتهي.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *