كانتْ رياحُ سيناء تحملُ في ثناياها عبقَ الترابِ والزعتر البري، والشمسُ تميلُ نحو المغيبِ خلفَ الجبالِ الصامتة. في قلبِ تلك البَرّيةِ القاسيةِ، حيثُ يغيبُ الظلُّ إلا ظلُّ خيمةِ الاجتماع، كان بنو إسرائيلَ يُنظّمون حياتهم حولَ الناموسِ الجديد. كان موسى، عليه السلام، يُعلّمُهم الفرائضَ والصّفاتِ، كأنّما ينقشُها على ألواحِ قلوبهم بعدَ أن كُسرتْ من حجر.
وفي الشهرِ الأولِ من السنةِ الثانيةِ لخروجهم، نزلَ الوحيُ إلى موسى في خيمةِ الاجتماع: “ليصنعْ بنو إسرائيل الفصحَ في وقتِه”. انتشرَ النبأُ بين الأسباطِ، فبدأتِ الاستعداداتُ. تهامسَ الرجالُ عن حملانِهم، وفحصتْ النساءُ البيوتَ بحثاً عن خميرٍ يجبُ إزالته. كان الفصحُ ذكرى، ليس للحريةِ فحسب، بل للعهدِ أيضاً. كان طقساً يربطُ الماضي بالحاضرِ، والجماعةَ بالإلهِ الذي أخرجهم.
لكنّ الحياةَ، حتى في ظلّ الوحي، تحملُ تعقيداتِها. فجاءَ رجالٌ إلى موسى، ووجوهُهم تعكسُ اضطراباً عميقاً. كانوا قد تنجّسوا لميتٍ، فلا يقدرونَ أنْ يَصنعوا الفصحَ في ذلك الوقتِ مع الجماعةِ. وقفوا أمامَ النبيّ وقد اعتراهم إحساسٌ بالغُربَةِ، كأنّ النعمةَ فاتتهم بسببِ ظرفٍ خارجٍ عن إرادتهم. قالوا: “لِمَ نُحرمُ من أنْ نقرّبَ قربانَ الربّ في وقتِه؟”. كان سؤالهم صادقاً، نابعاً من قلبٍ مشتاقٍ إلى المشاركةِ في المقدّس.
فدخلَ موسى الخيمةَ، وخلعَ نعليهَ، واستمعَ. وكان جوابُ الربّ رحيماً، واسعَ الأفقِ. نزلَ التشريعُ ليُفسحَ مجالاً لِظروفِ البشرِ الهشّةِ: من تنجّسَ لميتٍ، أو كان في سفرٍ بعيدٍ، فليصنعْ فصحاً في الشهرِ الثاني. شرعةٌ واحدةٌ للأغيارِ والنزيلِ كما للوطنيّ. لقد حَفِظَ الناموسُ قدسيّةَ الفصحِ، لكنّه لم يُهملْ قدسيّةَ قلبٍ يطلبُ اللهَ رغمَ العوائقِ.
فصنعَ أولئك الرجالُ الفصحَ في الشهرِ الثاني، بفرحٍ مختلطٍ بالدموعِ. وذاقوا طعمَ النعمةِ التي تُلائمُ بين حُكمِ العدلِ ودفءِ المراحمِ.
وفي تلك الأيامِ بالذات، كان مشهدُ المخيّمِ يتغيّرُ معَ النهارِ. فمنذُ اليومِ الذي نُصبتْ فيه خيمةُ الاجتماع، كانت سحابةُ الربّ تستقرُّ عليها بالنهارِ، وفي الليلِ تأخذُ شكلَ نارٍ تلألأ كعينٍ ساهرةٍ على الجماعةِ. وكانتْ لهم علامةَ الرحيلِ والإقامةِ. فمتى ارتفعتِ السحابةُ عن الخيمةِ، ينفضُ بنو إسرائيلَ خيامَهم ويسيرونَ. ومتى استقرّتْ، يستقرّونَ. أياماً كانوا يقيمونَ، وأشهراً، وربما ليلةً واحدةً فقط. فتعوّدوا على الحياةِ رفيقَين: الطاعةِ والصبرِ.
كانتِ السحابةُ حاجزاً بين الظاهرِ والمخفيّ، ستاراً من نورٍ يعلنُ حضوراً لا يُرى. وفي الليلِ، كانتِ النارُ تبعثُ دفئاً على النفوسِ، وتذكّرهم بأنّ الذي قادهم بنارٍ في الليلِ لم يتركهم. كانتْ حياتهم كلّها رحلةً، ولكنْ برفقةِ الساكنِ في السحابةِ.
وهكذا، في بريةِ سيناء، تعلّموا درسين لا يُنسيان: أنَّ الناموسَ الإلهيَّ ليس قفصاً حديدياً، بل هو سياجٌ رحبٌ يحمي ويُرشدُ، ويجدُ سبيلاً لمن يطلبهُ بصدقٍ. وأنّ الحياةَ مع اللهِ هي حياةُ ترقّبٍ، استعدادٌ دائمٌ للسيرِ حيثُ يقودُ، والإقامةِ حيثُ يستقرُّ. فالمسيرةُ، وليس الوصولَ، هي التي صقلتْهم. في علاقتهم بالفصحِ، رأوا مرونةَ القداسةِ. وفي علاقتهم بالسحابةِ، رأوا ثباتَ القيادةِ الإلهيّةِ.
وظلّتْ ذكرياتُ تلك الأيامِ، رغمَ صعوبتِها، كالنورِ الذي يضيءُ في خيمةِ الذاكرةِ الجماعيّةِ، تذكيراً بأنّ اللهَ قريبٌ، يُشرّعُ للناسِ حيث هم، ويقودُهم خطوةً خطوةً، في سحابةِ النهارِ ونارِ الليلِ.




