كان الجبل يغلي دخاناً. لم يكن دخان نار عادية، بل كان ثقيلاً كالرصاص، أسود يميل إلى الحمرة، يصعد إلى عنان السماء كأنه عمود لا نهاية له. والرعد… لم يكن صوتاً يأتي من السحب، بل كان يهدر من صميم الحجر، كأن صدر الأرض نفسها يتشقق من عظمة ما يحدث عليها. وكنت هناك، واقفاً بين الحشود المرتعبة، أسمع أنفاس الرجال والنساء تتقطع خوفاً، وأرى وجوه الأطفال مطمورة في أذيال أمهاتهم.
قال لنا موسى من قبل: “الرب سيكلمنا”. وكنا نظن أننا فهمنا. كنا نعتقد أن الكلام سيكون ككلام البشر، لكن بصوت أعلى. غباءنا كان فادحاً. فما سمعناه لم يكن صوتاً يمكن وصفه. كان كلمة، لكنها كانت أيضاً زلزالاً. كانت معنى يخترق الجسد قبل الأذن. عندما قال: “أنا الرب إلهك”، لم نسمعها فقط، بل أحسسناها تنقش في عظامنا. ارتعدت الأرض تحت أقدامنا، وصرخت النساء، وسقط شيوخ من سبط يهوذا على وجوههم، ولم يستطيعوا النهوض.
تذكرت حينها جدتي، وهي تحكي عن اليوم الذي شق البحر. قالت: “لم يكن البحر ينقسم فحسب، بل كان الزمان نفسه يتوقف عن جريانه.” الآن فهمت ما تعنيه. الوقت حول الجبل لم يكن يسير. اللحظة كانت ثابتة، مهيبة، مخيفة في سكونها الرعدي. حتى الدخان كان يبدو وكأنه تجمد في منتصف صعوده.
ثم جاءت الكلمات، واحدة تلو الأخرى، منقوشة في الهواء نفسه. “لا يكن لك آلهة أخرى أمامي.” كانت كلمة “أمامي” تتردد في الفضاء وكأنها تشمل كل شيء. نظرت حولي، إلى التماثيل الصغيرة التي كان بعضنا قد خبأها في ثيابه، تمائم ورثناها عن آبائنا في مصر، آلهة للزرع، وآلهة للخصب. شعرت وكأن تلك التمائم تحترق في مكانها، وكأن الكلمة قد كشفت كل ما هو خفي. سمعت همسات الاعتراف تخرج من هنا وهناك، همسات مختنقة بالذعر.
“لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً.” وتخيلت عقلي، في رعونته، يحاول أن يشكل صورة لهذا الصوت، لهذه القوة. فشل كما ينكسر قلم الرصاص على حجر. كيف تنحت ما لا يحده شكل؟ كيف تصور ما هو روح محض؟ كان الأمر أشبه بمحاولة حبس البحر في جرة فخارية.
و”لا تنطق باسم الرب إلهك باطلاً”. هنا ارتعشت شفتاي. كم مرة كنت ألقي بالقسم في السوق، أو في الغضب، أو لأثبت صدق كلام تافه. شعرت أن لساني قد جف، كأن الكلمة قد مسحت كل باطل منه. كان الأمر أشبه بتحذير صارم من أن الاسم نفسه مقدس، وأن نطقه يحمل ثقلاً لا ندركه.
وصلت إلى الوصية عن السبت، وتذكرت عبوديتنا في مصر. لم تكن هناك راحة، لا يوم، لا ساعة. والآن، يأمرنا الرب بأن نقدس يوماً، ليس لأننا متعبون فحسب، بل لأن الخليقة نفسها تستريح. كان الأمر نعمة مخبأة في حكم. أمر بأن نوقف العمل، لنكتشف أن العالم لا ينهار إذا توقفنا، لأن الله هو الذي يديره.
ثم وصية البر بالوالدين، ووعيدها بطول الأيام. نظرت إلى أبي، واقفاً في الصف الأمامي، ظهره منحنٍ من سنوات العمل، وعيناه مسبحتان في خشوع لم أرهما فيه من قبل. أدركت أن هذه ليست مجرد وصية اجتماعية، بل هي حجر أساس، جسر بين الأجيال، شرط لاستقرارنا في الأرض التي وعدنا بها.
وبعدها، الوصايا التي تنظم حياتنا مع بعضنا: “لا تقتل”. والنبرة لم تترك مجالاً للنقاش. ليست “من الأفضل ألا تقتل”، بل حظر مطلق، قطعي، كأن الحياة نفسها قد تحدثت دفاعاً عن قدسيتها.
“لا تزنِ”. في ذلك العصر، وفي كل العصور، كانت الشهوة قوة جامحة. لكن الكلمة قطعت الطريق على كل تبرير. لم يكن الحديث عن الملكية، بل عن قداسة الرباط الذي يصنعه الله بين رجل وامرأة، رباط يجب أن يبقى طاهراً كالجبل نفسه في ذلك الصباح.
“لا تسرق”. كم كانت بسيطة، وكم كانت عميقة. هي حماية للضعيف من القوي، للفقير من الغني. هي اعتراف بأن ما عند أخي هو ليس ملكي لمجرد أنني أستطيع أخذه.
“لا تشهد شهادة زور”. رأيت وجوه القضاة شاحبة. النظام كله، العدالة نفسها، كانت معلقة على هذه الكلمة. بدونها، تتحول المحاكم إلى مسرح للظلم.
و”لا تشتهِ”. هذه كانت الضربة القاضية. لأنها تتناول القلب الخفي. تتحدث عما يدور في الظلام الداخلي، حيث يعتقد الإنسان أنه حر. هنا، كان الله يطالب حتى بأفكارنا، بمشتهياتنا الخفية. كان يقول أن الخطيئة تبدأ من الشرارة الداخلية، قبل أن تصبح لهيباً خارجياً.
وبعد أن انتهى الصوت، لم يكن الصمت صمتاً عادياً. كان صمتاً ثقيلاً، مشبعاً بما سمع. كان كالصدى الذي لا ينتهي. نظر الناس بعضهم إلى بعض، وكأنهم يرون أنفسهم للمرة الأولى. كان هناك خوف، لكنه ليس خوف العبد من سيده، بل خوف المحبوب من أن يخيب حبيباً عظيماً.
تقدم الشعب إلى موسى، وكلامهم مختنق: “تكلم أنت معنا ونسمع. ولا يكلّمنا الله لئلا نموت”. كانت رغبتهم في الحياة أقوى من قدرتهم على تحمل عظمة القدوس. وفهم موسى. رأيت في عينيه حزناً مختلطاً بالفخر. حزناً لأن الشعب لم يتحمل لقاء الله وجهًا لوجه، وفخراً لأنه هو، الراعي الوديع، كان الوسيط.
قال لنا: “لا تخافوا. لأن ليختبركم الله جاء، ولكي تكون مخافته أمام وجوهكم حتى لا تخطئوا.” فهمت حينها. الخوف الذي شعرنا به لم يكن ليدمرنا، بل ليصوننا. كالنار التي تذيب المعدن الخام لتطهره من الشوائب. كان الاختبار هو هذه الهزة العميقة التي تجعل الإنسان يعرف حدوده، ويعرف عظمة من خلقه.
بقينا في المحلة أياماً بعد ذلك، والجبل لا يزال مغطى بالسحاب والدخان. وكان كل شيء يبدو مختلفاً. كان الماء الذي نشربه أعمق طعماً، والخبز الذي نأكله أكثر بركة. حتى ضوء النهار كان يبدو وكأنه ينبعث من ذكرى ذلك الصوت. كنا نتحرك بحرية، ولكن بوعي جديد. كأننا كنا عمياناً، والآن أبصرنا، وبدأنا نرى قداسة الله في حبة الرمل، وفي نسمة الهواء، وفي وجه الأخ.
كانت تلك الكلمات العشر قد نُقشت على ألواح حجرية. ولكن في تلك الأيام، أدركت أنها نُقشت أولاً، وبقوة لا توصف، على ألواح قلوبنا المرتعشة، الخائفة، والممتلئة رجاءً غريباً بأن هذا الإله المهوب، هو إلهنا، وقد اختارنا لنكون شعبه.




