فجر اليوم الثالث في شطيم كان رطباً، تنفس موسى الهواء البارد الذي يسبق الضوء، وكأن الأرض تتنهد. كان المخيم الضخم يتحرك كجسد واحد تحت صوت البوق الخافت. لقد مضت ثلاثة أيام منذ أن أعطاهم يشوع الأمر بالاستعداد، ثلاثة أيام من الصمت المليء بالهمس والتطلع نحو الشرق، حيث يجري نهر الأردن ممتلئاً حتى حافتيه، كحاجز أخير بينهم وبوعود قديمة.
كان يشوع نفسه واقفاً عند حافة المخيم، عيناه على المياه البعيدة التي يلمع أول ضوء عليها. لم يكن قلبه خالياً من الرعدة. تذكر صوت موسى، وشيخوخة موسى، وثقل الوعد الذي انتقل الآن إلى كتفيه. لكنه تذكر أيضاً الوصية: “لم يمر بهذا الطريق أحد من قبل”. نادى قادة الشعب.
“تقدسوا اليوم”، قال وصوته يحمل سمة الصخرة الصلدة. “غداً يصنع الرب عجائب في وسطكم”. مرت الكلمات بين الرجال والنساء كتيار كهربائي. لم تكن كلمات تشجيع عابرة، بل كانت أمراً يرتجف به القلب. رأى عيوناً تتوسل، وأخرى تخاف، وأخرى تشتعل بإيمان قديم كالجبال. عادوا إلى خيامهم، وبعضهم يغسل ثيابه، وبعضهم يصلي في صمت، وبعضهم يحدق في النار وكأنه يبحث عن علامة.
مع ارتفاع النهار، أمر يشوع الكهنة حاملي تابوت العهد. كان التابوت، ذلك الصندوق المصنوع من خشب السنط والمغطى بالذهب، يمثل حضور الرب نفسه. عندما رفعوه على أكتافهم، شعر كل حامل بثقل لا من الذهب والخشب، بل من قداسة لا تُرى. بدأوا بالتحرك، والشعب ينظر من خلفهم بحوالي ألفي ذراع، كما أوصاهم، ليكون بينهم وبين التابوت مسافة من الرهبة والاحترام.
بدأت المسيرة. كانت حركة جماعية هادئة، تكاد تخلو من الكلام. فقط صوت أقدام الآلاف على التراب، ونعيج بعيد لبعض المواشي، وصوت جريان ماء يعلو شيئاً فشيئاً كلما اقتربوا. ثم ظهر لهم النهر. كان مشهداً يملأ العين. مياه متدفقة، عريضة، تلمع تحت شمس الظهيرة، تحجزهم عن أريحا وعن كل حلم آبائهم. توقف الجميع.
في تلك اللحظة، تقدم الكهنة حاملو التابوت. لم يترددوا. خطوا بأقدامهم في حافة الماء، وفي اللحظة التي لامست فيها نعالهم أول خيط مائي، حدثت الغرابة. لم تكن انفلاقاً دراماتيكياً بصوت عالٍ، بل كانت توقُّفاً. من نقطة بعيدة عند قرية آدم، التي تقع إلى الشمال، توقف جريان المياه. تراجعت، وانحسرت، وكأن سداً غير مرئي أقيم هناك. والمياه المتدفقة من الجنوب، من جهة البحر الميت، ارتفعت وتجمَّعت في كومة عظيمة، ساكنة، كأنها حائط من الزجاج السائل.
ظل الكهنة واقفين في مكان جاف، في وسط مجرى النهر، حاملين التابوت على أكتافهم. كانوا صامدين، أقدامهم ثابتة على الطين الذي بدأ يتصلب تحت أشعة الشمس. وهناك، في ذلك المكان الذي كان قبل لحظات مجرى ماء عميقاً، وقف تابوت عهد الرب كعلامة وسط الجفاف المعجزي.
عندئذٍ أعطى يشوع الإشارة. عبر الشعب. كل الأسباط، الرجال والنساء والأطفال، مواشيهم وأمتعتهم. كان العبور سريعاً منظماً، لكن في عيون كل عابر كانت دهشة لا توصف. كانوا يمشون حيث كان يجب أن يكون هُوْلٌ وعمق. تحت أقدامهم، حجارة ملساء من قاع النهر القديم، وبعض الأعشاب المبتلة، وشواهد على مسار مائي جبار توقف عن الجريان لأجلهم. التفت الأطفال لينظروا إلى حائط الماء الرابض إلى جانبهم، فكانت أمهاتهم تسحبهم بسرعة، لكن رهبة الفرح كانت ترتسم على وجوه الجميع.
استغرقت عملية العبور الوقت كله حتى اكتمل الجميع. وأخيراً، عبر يشوع وقادة الشعب. وقف يشوع على الضفة الغربية، ونظر إلى الكهنة الذين ما زالوا صامدين في المركز، كأعمدة حية للعهد. ثم نادى رجلاً قوياً من كل سبط، وأمرهم أن يحملوا من قاع النهر، من المكان الذي وقف فيه الكهنة بالضبط، اثني عشر حجراً كبيراً. ليكونوا تذكاراً. حجارة من مكان المستحيل، لتبقى قصة اليوم حية في أفواه الأحفاد.
وعندما انتهى الجميع من العبور، وعندما حمل الكهنة التابوع وصعدوا إلى الضفة الأخرى، حدثت النهاية كما حدثت البداية. بمجرد أن استقرت أقدام الكهنة على اليابسة، عادت مياه الأردن إلى مجراها. اندفعت من الشمال والجنوب، والتقت مرة أخرى بكل قوتها، وكأن شيئاً لم يكن. ولكن شيء ما قد حدث بالفعل. شعب كامل عبر البحر في الماضي، واليوم عبر النهر. اختبر الجيل الجديد أن الرب لا يزال معهم، وأن يد يشوع القوية هي نفس يد الرب.
وقف الشعب في الجلجال، على أرض الموعد أخيراً، ينظرون إلى الحجارة الاثني عشر التي نُصبت. كان يشوع بينهم، صامتاً لحظة. ثم تذكر كلمات الرب: “اليولم أبتدئ أعظمك في أعين جميع إسرائيل، لكي يعلموا أني كما كنت مع موسى أكون معك”. كانت الشمس تميل نحو الغرب، تلقي بظلال طويلة على أرض جديدة، وعلى شعب لم يعد عبور الماء بالنسبة لهم مجرد قصة من الماضي، بل ذاكرة حية في أقدامهم، وحجارة صامتة تشهد أن الطريق الذي لم يمر به أحد من قبل، أصبح الآن طريقهم.




