الكتاب المقدس

شفاء أيوب بعد العاصفة

فجر اليوم التالي لم يأتِ بضوء عادي. كان الضوء الذي ينساب عبر ثقوب الكوخ المهترئ أشبه بشيء مغسول، رقيق وهش، كأن السماء نفسها تتنهد تنفّساً بعد عاصفة طويلة. أيوب جلس على كومة من الرماد البارد، لكن الرماد لم يعد يشعر بحرقة الجمر. كان كالتراب الهادئ. نظر إلى كفّيه، إلى التجاعيد العميقة التي صارعت الألم، وإلى البثور التي خلفتها القروح، الآن وهي تندمل رويداً رويداً، تاركة وراءها خرائط وردية باهتة على جلده، تشبه آثار أقدام طيور على رمل مبلل.

لم يكن يشعر بالرغبة في الكلام. الكلمات التي ملأت الهواء من قبل – كلمات الاحتجاج، والاستفهام المرير، والصراخ نحو الله من أعماق الجحيم – تلك الكلمات قد استنفدت. لقد تبخرت. ما بقي في صدره كان صمتاً عريضاً، عميقاً، مثل بحيرة ساكنة في ليلة لا قمر فيها. تذكر كلمات إلهه، تلك التي هزت كيانه: “أَينَ كُنتَ عِندَما أَرسَيتُ أَساسَ الأَرض؟”. لقد سمع أكثر من صوت؛ رأى. رأى صوراً من صنع الخالق جلّ جلاله: وحش البحر الهائل، والطير الجبار، والأرض وهي تُحدّد لها قوانين لا تُخرق. وفي قلب تلك العظمة الرهيبة، تلك القوة التي لا تُسأل عما تفعل، انكسر شيء في داخله. لم ينكسر كزجاج، بل كصدفة صلبة حول قلبه، تحطمت لتسمح للين بالخروج.

قال، وصوته أجشّ، كأنه يحاول تذكر كيف ينطق: “بِسَمَعِ الأُذُن قَدْ سَمِعْتُ عَنكَ، وَالآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي. لِذلِكَ أَرذُ وأَنِيبُ فِي التُّرَابِ وَالرَّمَاد”. لم تكن هذه كلمات استسلام مهزوم، بل كانت اعترافاً بحقيقة أعمق من النصر. كان يعود إلى ذاته، لكن إلى ذاته وهي تدرك أنها ليست مركز الكون، بل جزء من لوحة أكبر، مرسومة بيد لا تُدرك. وعندما عاد إلى كوخه، كان شعوراً غريباً يملؤه: فراغٌ مليءٌ بالسلام.

جاءه أصدقاؤه الثلاثة – أليفاز التيماني، وبلدد الشوحي، وصوفر النعماتي – وهم يجرون أقدامهم، وجوههم محتقنة بالخزي. وقفوا على مبعدة، لا يجرؤون على الاقتراب. لقد سمعوا صوت الربّ يوبخهم، لأنهم لم يتكلموا عنه بالصواب كما تكلم عبده أيوب. الآن هم يحملون ذبائحهم: سبعة عجول وسبعة كباش، بأمر إلهي، ليقدمها أيوب عنهم. أية مهزلة! أولئك الذين جاءوا ليعظوه ويعزوه بحكمة البشر، يقفون الآن في حاجة إلى وساطته. نظر أيوب إليهم، وفي عينيه لم يكن حقد، بل شيء أشبه بالحزن العتيق. تذكر أيوباتهم القاسية، وادعاءاتهم الجوفاء عن عدالة إلهية بسيطة. ولكنه رأى الآن خلف كبريائهم، خوفاً بشرياً عارياً. خوف من الإله الذي أخطأوا في فهمه.

نهض متثاقلاً، وأشار لهم أن يقدموا الذبائح. اشتركوا معاً في ذبح الحيوانات، وسال الدم دافئاً على الأرض الجافة. ثم صلى أيوب من أجل أصدقائه. كانت صلاته بسيطة، خالية من الزخارف، كطفل يتلو درساً تعلمه للتو: “يا من ترى القلب، ارحم ضلالهم. اغفر لهم جهلهم كما غفرت لي تمرّدي. اقبل هذه الذبيحة، لا من أجل دمها، بل من أجل رحمتك التي تتسع للجميع”. وعندما انتهى من الصلاة، شعر وكأن ثقلاً آخر يُرفع. لم يكن ثقله هو وحده، بل ثقل العداوة، وثقل الحاجة إلى أن يكون على حق. قبل الربّ وجه أيوب، ليس لأن ذبيحة الحيوانات أرضته، بل لأن قلب أيوب عاد إليه، محطماً ولكن محباً.

ثم بدأت الأيام الجديدة. لم تكن العودة إلى ما كان، بل كانت شيئاً مختلفاً. جاءه إخوته وأخواته، وجميع الذين عرفوه من قبل، وجلسوا معه وأكلوا خبزاً في بيته. وعزّوه على كل المصائب التي جاء بها الربّ عليه. وكل واحد أعطاه قطعة من الفضة، وخَرقاً من الذهب. ولكن الغريب أن أيوب لم يعد يرى في هذه الهدايا تعويضاً. كان يراها علامات، لمسات من رحمة مجسدة، كأن الله يقول له من خلال أيدي الناس: “أنت لست وحيداً”.

وابتدأ الربّ يردّ سبي أيوب. نعم، “سبي”. لأنه كان أسيراً للألم، أسيراً للفقد. والآن جاءت الحرية بشكل بنّاء، وليس كإعادة تجميع. أعطاه ضعف كل ما كان له: أربعة عشر ألفاً من الغنم، وستة آلاف من الإبل، وألف فَدان من البقر، وألف أتان. وأتى إليه أولادٌ جدد، سبعة بنين وثلاث بنات. وكان يسمّي البنين بأسماء القوة والرجاء. أما البنات، فأعطاهنّ أسماء لم يعطها لأولاده السابقين: اسم الأولى “يمامة”، لأنها جاءت كأنها حمامة تحمل غصن زيتون بعد الطوفان. والثانية “قَظَى”، وهي الشجرة العطرية التي تعطي أطيب الرائحة بعد القطع. والثالثة “كَرْنَة”، تيمناً بقرن الزيت المقدس، علامة المسحة والبركة.

وكانت بناته هؤلاء الأجمل في جميع الأرض. أعطاهنّ أبوهنّ ميراثاً بين إخوتهنّ، فعلاً لم يُسمع بمثله في تلك الأيام. وكثيراً ما كنّ يجلسن حوله في المساء، ويميمة، الصغرى، تضع رأسها على ركبته المتقرحة سابقاً، وتلمس بيدها الصغيرة الآثار الباهتة على جلده، فتسأله: “أبي، هل كان يؤلمك كثيراً؟”. فيجيب بهدوء: “كان. ولكني الآن أذكر الألم كما أذكر طريقاً طويلاً أوصلني إلى بيتي”.

وعاش أيوب بعد ذلك مائة وأربعين سنة، ورأى أولاده وأحفادَه إلى أربعة أجيال. وكثيراً ما كان يجلس الشيخ تحت شجرة زيتون كبيرة نبتت قرب كوخه القديم، فينظر إلى الغروب. لم يعد يسأل “لماذا”. كان يعرف أن بعض الأسئلة لا أجوبة لها، لأن الأجوبة لا تسعها أدمغة البشر. كان يعرف شيئاً واحداً: أنه قابل الإله. قابل العظمة والرهبة، قابل الغضب والرحمة في آن. وقابله في أعماق اليأس. وهذا اللقاء كان يكفيه. كان يكفي لتملأ نوراً ما تبقى من أيامه، أياماً طويلة ساكنة، حتى مات شيخاً وشبعاناً، ودفنوه حيث يلتقي التراب بالسماء، في أرض عوص، حيث تبدأ كل القصص وتنتهي.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *