الكتاب المقدس

صرخة من الظلام

كان الظلام ينسحب من أودية أورشليم بصمت، تاركاً خلفه ضباباً رقيقاً يلامس حجارة السور. في غرفة صغيرة تطل على سَطْح بيت متواضع، جلس داود، والبرد الليلي لا يزال عالقاً بثيابه البسيطة. لم يكن البرد الخارجي هو ما يقشعر له بدنه، بل شيء آخر، شيء كالأسلاك الشائكة يضغط على صدره. همسات كانت تصل إليه، كثرثرة أوراق الزيتون الجافة تحت أقدام خفية. همسات تنسج في الظلام، تتحدث عن فخاخ تنصب، وأقواس تُوتَر، وسهام تُسمَّر بالكلمات قبل أن تطلق.

فتح درجاً من خشب الجميز، وأخرج ورقة من جلد رقيق، ودواة. لكن يده توقفت قبل أن تغمس القلم. نظر من النافذة الضيقة. هناك، في الأزقة التي بدأت تستيقظ مع أولى خطوات الشمس، كان الحياة تجري كالنهر. لكن تحت ذلك الجريان، كان هناك تيار آخر مظلم. كانوا هناك – أولئك الذين يحدقون في الظلال، الذين يضعون كلماتهم كالفخاخ، الذين يمارسون فن إيذاء النفوس من بعيد، كالرماة الذين يصوبون من وراء الجدران.

بدأ يكتب، لكن الكلمات لم تكن شكوى عادية. كانت صرخة تخرج من أعماق البئر. “اسمع يا الله صوت شكواي.” لم يطلب سلاحاً، ولا جيشاً. بل طلب الأذن التي تسمع الهمس قبل أن يتحول إلى صراع، والعين التي ترى السهم قبل أن ينطلق من وتر القوس. كانوا يتدربون على كلماتهم كما يتدرب الجندي على سيفه، يحوّون ألسنتهم إلى سهام حادة، يتنافسون في إصابة الأعماق، في جرح النفوس من حيث لا يرى الجرح.

توقف، واستمع. هل كان يسمع خطوات؟ لا. كان الصمت هو الأخطر. صمت المؤامرات التي تُحاك في الغرف المغلقة، حيث يتبادلون الهمس: “من يرانا؟” وكأن الظلام غطاء، وكأن أعين البشر هي الحدود الوحيدة للرؤية. لكن داود كان يعرف معرفة اليقين: هناك عين لا يخدعها ظلام، ولا يعجزها حاجز. كانت هذه معرفته الوحيدة، درعه الأخير.

وفي تلك اللحظة، كما ينتقل السحاب فجأة ليطلق برقاً، جاءته الصورة: الله نفسه سيرد عليهم. سهمهم المسموم سيعود إليهم. كلماتهم المدببة ستجرح قلوبهم هم أولاً. سيهز رؤوسهم، يشمت بهم من يراهم، وينفض يده من شرهم. لم تكن هذه رغبة في انتقام، بل إعلان لحقيقة: الشر يسير نحو دماره الذاتي، كالشجرة المسمومة التي تموت من عصارتها.

وضع القلم. خارج الغرفة، كانت الشمس الآن تملأ الأزقة، والناس يتحركون في أمان. تنهد تنهداً عميقاً. الخوف الذي كان يضغط على صدره بدأ يتراجع، ليس لأن الأعداء اختفوا، بل لأن الرؤية اتضحت. الخلاص لم يكن في هروب، ولا في قوة تردعهم. الخلاص كان في هذا اليقين: أن النفوس البريئة لها حافظ، وأن كل لسان سيحاسب على كل كلمة، وأن كل همسة في الظلام مسموعة عند من لا يغفو.

قام وطوى الجلد برفق. الضوء الآن دافئ على وجهه. في الشارع، سمع ضحكة طفل، وصوت بائع يهتف ببضاعته. عالم يبدو عادياً. لكنه عرف، في أعماقه، أن هناك حرباً خفية تدور، وأن النصر فيها لا يكون بالسيف، بل بالثقة. ثقة كالجبال الراسية، بأن العدالة الإلهية، وإن تأخرت في نظر البشر، فإن مسارها أكيد كمسار الشمس من المشرق إلى المغرب. وابتسم ابتسامة خفيفة، فيها شيء من الحزن، وشيء كثير من الرجاء.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *