كان الجبل يلبس رداء الفجر الرمادي حين نهض أليعازر من فراشه. لم يكن صوت منبهٍ يوقظه، بل عادة متأصلة في عظامه، كتلك التي تجعل السنونو يغرد مع أول خيط نور. تنهد بصمت، وشعر ببرودة الأرض الطينية تحت قدميه الحافيتين وهو يتجه نحو الباب الخشبي الثقيل.
خارج الدار، امتدت حقول الزيتون كبحر أمواجه من الفضة الخضراء. تنفس الصعداء، فملأ رئتيه هواءً نقيًا ممزوجًا برائحة التربة الرطبة وإيناس أزهار البرتقال البعيدة. كانت هذه هي بداية يومه، كما كانت بداية أيام أبيه وأبي أبيه من قبله. عمل اليدين، عرق الجبين، هذه كانت طقوسه اليومية، صلاته الصامتة لله الذي بارك أتعابه.
عاد إلى الدار عند زوال الشمس، وقد التصق بثيابه البسيطة غبار الأرض وعبق زيت الزيتون. على عتبة الباب، رن صوت ضحكات مثل جرس نقي. كانت “مريام”، زوجته، تجلس تحت شجرة التين العتيقة، تحيك صوفًا بلون السماء المسائية، وحولها ثلاثة من أطفالهم يلعبون بقشر الرمان الجاف. الابن الأكبر، “شمشون”، كان يساعد أخته الصغرى في بناء بيت من الحصى، بينما كان الوسط، “يوعاز”، يقرأ بصوتٍ خافت من درج متهالك. وقفت مريام لاستقباله، ولم تكن تحتاج إلى كلمات، فعيناها الهادئتان قالتا كل شيء. وضعت بين يديه كوبًا من الماء البارد، ثم عادت إلى موقد الطين حيث كانت قد أعدت طعام المساء: خبزًا من دقيق شعير، وزيتونًا من شجرتهم، وبعض الجبن الأبيض.
جلسوا حول المائدة الخشبية، وأخذ أليعازر يراقبهم بينما هم يلتهمون الطعام بنهم. ضوء المصباح الزيتي يرقص على وجوههم المشرقة. تذكر حين كان أبوه يقود الصلاة نفسها كل مساء: “باركنا يا رب، واحفظنا من كل شر، كما تبارك شعور رأسنا وتنمو مثل غرس الزيتون حول مائدتنا”. لم يكن يفهم معنى تلك الكلمات تمامًا في صغره، أما الآن، فكان يرى المعنى ماثلًا أمامه. أولاده، هم غرس الزيتون حول مائدته، قوة مستقبله وأمل أيامه القادمة.
في تلك الليلة، بينما كان الجميع نائمين، جلس أليعازر وحده في فناء الدار. نظر إلى السماء المرصعة بالنجوم، وتملكته لحظة سكون عميق. لم يكن رجلًا عالمًا في الكتب، لكن قلبه كان ممتلئًا بشيء أثمن من المعرفة: يقينًا هادئًا. لقد آمن بأن خوف الرب، ليس رعدًا مرعبًا، بل كالسياج الواقي حول بستانه. طريق الرب، لم تكن مسلكًا ضيقًا من الحرمان، بل دربًا من السلام وسط عالم كثير العثرات.
مرت السنوات، كما تمر الرياح بين أغصان شجرتهم المعمرة. رأى أليعازر أولاده يكبرون. شمشون صار قوي البنية كأبيه، يتفنن في تقليم الأشجار وقطف الثمار. يوعاز، بقلبه التأملي، مال إلى دراسة النصوص المقدسة عند الكاهن في القرية. أما ابنته الصغرى، “تامار”، فقد تعلمت من أمها حكمة البيت ودفء القلب. وفي يوم من الأيام، جاء شاب وسيم من قرية مجاورة يطلب يدها، وكان وجهه يشرق صدقًا، فأعطاها له وهو يعلم أن البركة ستتبعها إلى بيتها الجديد.
لم تكن الحياة كلها سهلة. جاءت سنوات لم تمطر فيها السماء، وتجعدت أوراق الزيتون من العطش. جاءت أيام مرضت فيها مريام مرضًا شديدًا، وبات أليعازر يصلي الليل بطوله، ممسكًا بيدها التي أصبحت هزيلة. لكنهم اجتازوا. لأن الجذر الذي تغذى من ينبوع الإيمان، كان أعمق من أن تجففه محنة عابرة.
وها هو الآن، أليعازر الرجل العجوز، يجلس في نفس الفناء تحت شجرة التين. شعره مثل الثلج، ويداه مجعدتان كجذع الشجرة. حوله ضجيج الحياة الجديدة: أحفاده يركضون، وابناه يخططان لموسم القطاف القادم، وزوجته، مريام، مبتسمة وهي توزع قطع الحلوى على الصغار. نظر إلى “أورشليم”، المدينة المقدسة في الأفق البعيد، التي لا يراها إلا كلمعة ذهبية عند المغيب. وتمتم بصوته الخافت المتهدج: “نعم. لنظر خيرات أورشليم كل أيام حياتي”. لم يكن يعني الحجارة والذهب، بل كان يعني هذا الاستمرار، هذه السلسلة المقدسة من البركة التي تنساب من جيل إلى جيل.
فهم أخيرًا تمامًا ما لم يكن يفهمه في شبابه. البركة لم تكن كنزًا مخفيًا، بل كانت كالبذرة. تضعها في الأرض بيد مرتعشة، ترويها بعرق جبينك، وتحتضنها بصبر طويل، ثم ترى كيف ينمو منها غصن، ثم شجرة، ثم بستان، ثم ظلٌ وارف لأجيال لم تولد بعد. وسلام الله، كالندى الهادئ، يغشاهم جميعًا.




