كان الصباح يتنفس نسماته الباردة على حواف القرية، وكان العمّ صالح يحمل كيس البذور كما يحمل قلباً مليئاً بشيء من القلق وشيء من الرجاء. كانت سحبٌ رمادية تتمركز في أقصى الغرب، لكن الشمس من الشرق مدت خيوطاً ذهبية على التلال. تذكر كلمات سمعها في شبابه من شيخ كان يجلس قرب البئر: “ألق خبزك على وجه المياه، فإنك تجده بعد أيام كثيرة.”
لم يكن يفهمها тогда. كيف تلقى الخبز على المياه؟ أليس ذلك تبذيراً؟ ولكن السنوات علمته أن بعض الأمور لا تُفهم إلا حين تعيشها. مشى نحو الحقل الذي يلامس مجرى النهر الموسمي. المياه كانت هادئة، تعكس لون السماء الغامض. أخرج من الكيس حفنةً من الحبوب الصغيرة، ذهبية اللون كضوء الفجر. نظر إليها، ثم إلى المياه، ثم إلى الأرض البعيدة على الضفة الأخرى. تنهد، وفتح كفه.
سقطت الحبوب في الماء بصوت خافت كهمسة. رأى بعضها يغوص، وبعضها يحمله تيار خفي نحو الضفة الأخرى حيث التربة الغنية. كان يعلم أن قسماً منها سيأكله الطير، وقسماً سينمو في مكان لم يخطط له، وقسماً ربما، فقط ربما، سيعود إليه بثمانية أضعاف أو بسبعين. لكنه لم يعد يحسب بهذه الدقة. لقد تعلم أن يرمي بذاره دون توقّع محدد. لأن الريح لا تعرف مسارها، والعظام في بطن الحامل لا تراها عين. هكذا أعمال الله: تتحرك في غموض مقدس.
عاد إلى بيته، والشمس ارتفعت بعض الشيء. رأى الغيوم تتراكم في الغرب، سميكة وواعدة. تذكر القول: “إن كانت الغيوم تمتلئ مطراً، فإنها تفرغه على الأرض.” نادى ابنه الصغير: “يا محمد، هل أعددت الجرار الفارغة؟” فجاء الفتى مسرعاً: “نعم يا أبي، تحت الشجرة الكبيرة.” ابتسم العم صالح. إن رأى سحابة تثقل، فلا ينتظر حتى تحيط السماء كلها بالغيوم، بل يهبّ ليعد ما يستطيع. لأن من يترقب الريح المناسبة لكل حركة، فلن يزرع أبداً. ومن يلتفت إلى السحب في كل اتجاه، فلن يحصد أبداً.
في الظهيرة، بينما كان يستظل بجذع نخلة قديم، رأى مجموعة من الشبان يمرون بحقلهم. أحدهم قال: “انظر إلى العم صالح، يزرع والمطر لم ينزل بعد!” وضحك الآخرون. لم يقل شيئاً. كان يعلم أن النور حلو، وأن العين تسرّ برؤية الشمس. لكنه أيضاً كان يذكر أيام الظلمة، لأنها ستكون كثيرة. كل ما يأتي هو باطل وقبض الريح، لكن هذا لا يمنع أن تفرح بما تراه عيناك في أيام النور القليلة هذه.
وبعد أيام، هطل المطر. ليس مطراً خفيفاً، بل وابلاً غزيراً، كما لو أن السماوات فتحت خزائنها. جلس العم صالح قرب النافذة، يشرب كوب شاي ساخن. نظر إلى الحقل الذي زرع جزءاً منه، وإلى مجرى النهر حيث ألقى بالبذور. كانت المياه تجري بعنف، تحمل معها الطمي والأغصان. فكر في تلك البذور التي ألقاها. بعضها ربما وصل الآن إلى أراضٍ بعيدة، لا يعرفها، ولم تطأها قدماه. هذا أيضاً من حكمة الله: أن تذهب أعمالك إلى أماكن لا تتوقعها.
وبعد أسابيع، حين جفت الأرض وظهرت الخضرة الأولى، خرج ليقلّم بعض الأغصان. وقعت عيناه على نبتة قمح صغيرة نبتت قرب الصخر، في مكان لم يزرعه. اقترب منها متأملاً. كانت قوية خضراء، رغم أن الظل يغطيها جزءاً من النهار. هنا تكمن المعجزة: أن الحياة تنبت حيث لا تتوقع. ثم تذكر الكلمات القديمة: “لا تعرف ما هو طريق الريح، ولا كيف تنمو العظام في بطن الحامل. كذلك لا تعلم أعمال الله الذي يصنع الكل.”
عند المغيب، جمع أولاده وأحفاده حوله. قال لهم: “يا أولادي، ليكن لكم قلبٌ سخيٌّ، وأيدٍ تَعطي. فالنهر قد يحمل بذوركم إلى أرض ترويها شمسٌ لم تروها أنتم. واغتنموا النور ما دام موجوداً، قبل أن يأتي الظلام وتكثر الأيام التي لا عمل فيها ولا معرفة. واذكروا أن الشباب والفتوة باطلة، لكنها هبة من الله. فافرحوا فيها، وليعلم قلبكم أن الله سيحاسبنا على كل شيء، حتى على اللحظات التي ضحكنا فيها تحت الشمس.”
وسكت قليلاً، ثم أضاف بصوت خافت كحفيف الشجر: “وفي النهاية، تعود الروح إلى الله الذي أعطاها. وكل ما نفعله هنا، هو فقط ذرة غبار في مهبّ الريح. ولكن حتى هذه الذرة، يمكن أن تلمع إذا أصابها نور الشمس في الوقت المناسب.”
ورفع عينيه نحو الأفق حيث كان اللون البنفسجي يختلط بالذهب. وكان السلام العميق، ذلك السلام الذي يفوق كل فهم، يملأ قلبه كالنهر الهادئ الذي يحمل بذور الحياة إلى أماكن مجهولة.




